الصحافة المصرية في نفق مظلم بعد ارتفاع تكاليف الطباعة

دخلت الصحافة الورقية المصرية، خلال الأيام القليلة الماضية، نفقًا مظلمًا جديدًا، فاقم من حدة أزماتها المتجذرة أصلًا، ولم يكن ذلك بسبب التضييق على الحريات، أو نتيجة للتردي المهني، أو لانخفاض التوزيع، فحسب، بل لارتفاع تكاليف الطباعة.
الاثنين 2016/11/21
حلول صعبة لأزمة متفاقمة

القاهرة - ألقت القرارات الاقتصادية الأخيرة في مصر بظلالها على الصحافة المطبوعة، التي تعاني بالأساس العديد من الأزمات المالية والاقتصادية، بعدما تسبب تحرير سعر الجنيه، وانخفاض قيمته أمام الدولار، في زيادة تكاليف الطباعة التي تعتمد على الورق والأحبار المستوردة من الخارج.

ويقول معنيون بصناعة الصحافة الورقية، إن خامات طباعة الصحف، ارتفعت بنسبة بلغت 77 بالمئة، الأمر الذي وضع مهنة الصحافة بالفعل أمام اختبار البقاء، ووضع الآلاف من الصحافيين في مواجهة تحديات جديدة، تضاف إلى ظروفهم التي يعيشونها حاليًا، والتي يصفها البعض منهم بـ”الكارثية”.

ويقع التأثير الأكبر على المؤسسات الصحافية الحكومية الكبرى، والتي كانت تعتمد في السابق، في تحصيل مواردها، على طباعة الكتب المدرسية، والمطبوعات الأخرى، لامتلاكها ترسانة متطورة من المطابع، غير أن الأوضاع الحالية تهدد بانكماش عملها، الذي بات مهددّا بالتوقف تمامًا، إذا لم تكن هناك حلول عاجلة للأزمة.

وتتمثل مشكلات المؤسسات القومية، التي تتولى طباعة الكتب المدرسية، في أنها وقّعت عقودا لطباعة تلك الكتب، في نهاية العام الماضي، عندما كان سعر الدولار أقل مما هو عليه في الوقت الحالي، ولذلك سببت لها القرارات الاقتصادية الأخيرة خسائر جسيمة، لن تستطيع تعويضها.

ودفعت الأزمة الأخيرة نقابة الصحافيين المصريين إلى إصدار بيان رسمي، أعربت فيه عن قلقها من استمرار انهيار صناعة الصحافة المطبوعة، وهو ما ينعكس بالضرورة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للصحافيين، ويؤدي إلى تدني أجورهم بشكل ينذر بالخطر.

وقال يحيى قلاش، نقيب الصحافيين المصريين، لـ”العرب”، إن ما تمر به الصحافة المصرية حاليًا، أزمة غير تقليدية، وغير مسبوقة في حجمها، ورغم محاولات الدولة لدعمها خلال العامين الماضيين فإن القرارات الاقتصادية الأخيرة أجهضت كل هذه المحاولات.

هويدا مصطفى: زيادة أسعار الصحف لن تكون حلا، بل قد تقضي على الصحافة الورقية

ولم تقتصر الأزمة على أسعار الجنيه والدولار فقط، بحسب قلاش، بل تمتد لتمس الأمن القومي نفسه، لأن الأساس أن يكون هناك ارتباط وثيق بين الصحافة والجمهور، بعيداً عن أي أطراف أخرى في المجتمع، تسعى للسيطرة على الأفكار، لتوظيفها في خدمة أهدافها. وأشار إلى أن الأزمة الحقيقية التي تعانيها الصحف تتعلق بعدم تمتعها بهامش كبير من الحرية.

ورأى أن الصحافة المطبوعة بشكل عام، والقومية بشكل خاص، عليها أن تستعيد مصداقيتها مرة أخرى، قبل أن تفكر الدولة في دعمها، وهو ما يتطلب أن يكون هناك تطوير في شكل ومضمون الصحافة المطبوعة، مع ترك مساحة للحرية، تستطيع من خلالها جذب الجمهور إليها مرة أخرى.

وتمر الصحافة المطبوعة في مصر بأوضاع غير مستقرة، منذ اندلاع ثورة يناير 2011، عقب انكماش حجم سوق الصحافة، نتيجة الأوضاع الاقتصادية، وانتقال سوق الإعلانات إلى وسائل أخرى، بعد أن كانت هي التي تحتكره لسنوات طويلة، وبالتالي انخفضت نسب التوزيع، ما عرضها لمشكلات مالية واقتصادية عديدة.

ووفقاً لآخر إحصائية، صدرت عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (مؤسسة حكومية)، في مايو 2015، تراجع توزيع الصحف المصرية في الداخل والخارج بنسبة 13.6 بالمئة، خلال عام 2014، حيث انخفض إلى 655 مليون نسخة سنوياً فقط، مقابل 758 نسخة تقريباً في عام 2013، أي أنها فقدت حوالي مليون نسخة في عام واحد.

ويرى مراقبون، أن النسب الأخيرة المعلنة بشكل رسمي من قبل الدولة، عادت وتناقصت مرة أخرى بشدة، خلال العامين الماضي والحالي، وتحديداً بعد أن اضطرت الصحف الورقية إلى مضاعفة أسعارها، في مطلع العام الجاري، بجانب تعرضها للمنافسة، نتيجة انتشار وسائل التواصل الحديثة وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي.

وتسعى أطراف الأزمة الحالية إلى التوصّل إلى حلول، في مواجهة القفزات الكبيرة في أسعار الطباعة، ومنها زيادة أسعار الصحف، وتقليل المعروض من الإنتاج، غير أن الأخطر من ذلك أن الصحف الخاصة تحديدا، قد تلجأ إلى حل آخر، هو الاستغناء عن أعداد كبيرة من الصحافيين والعاملين، أو تخفيض رواتبهم، وهو ما سيمثل أزمة أخرى أشد، يمكن أن تحدث هزات عميقة في الوسط الصحافي المصري.

من جانبها، قالت هويدا مصطفى، أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، إن الصحف المصرية أضحت في حاجة إلي إعادة هيكلة العمالة داخلها، فجميعها تعاني من مشكلات مالية وإدارية حادة، كما أن زيادة أسعارها لن تكون حلاً لمواجهة الأزمة الحالية، بل قد تكون بمثابة نهاية لها.

وأضافت لـ”العرب”، أن الأعباء الاقتصادية الملقاة على عاتق الدولة، تُصعّب من مهمة دعمها الصحافة المطبوعة، مثلما كانت تفعل من قبل، وبالتالي فإن الحل سيكون من خلال الاعتماد على النسخ الإلكترونية، أو الإغلاق الكلي، وهو ما ستلجأ إليه الصحف الصغيرة تحديداً.

وحسب إحصائيات حكومية، فإن عدد الصحف التي صدرت في عام 2015 ، بلغ 75 صحيــفة، مقابل 80 صحيــفة كانت تصدر في عام 2014 ، بنسبة انخفاض قدرها 6.3 بالمئة، وبلغ عدد الصحف الحزبية 3 صحف فقط في عام 2015، مقابل 8 صحف في عام 2014.

وقال عدد من خبراء الإعلام، إن أحد الحلول الفورية للأزمة، من قبل الدولة، أن يتم إعفاء المؤسسات الصحافية، من الضرائب المفروضة على استيراد الورق ومستلزمات الطبع، كما أن عليها دعم الصحف الصغيرة.

وشددوا على ضرورة إلغاء ضرائب الإعلانات، التي تدفعها المؤسسات الصحافية، على أن يتم وضعها داخل صندوق، لتستخدم في مواجهة الأزمات، بالإضافة إلى إعفاء المؤسسات القومية من جزء من ديونها.

18