الصحافة الورقية تولد من جديد.. ولكن!

الاثنين 2017/05/29

كان السؤال فلسفيًا، ثم أصبح واقعا تفرضه مخاوف المهنة “هل ينتهي عصر الصحف الورقية في العالم.. ومتى؟”.

من السابق لأوانه نشر تأبين لوفاة الصحافة الورقية، فها هي تزدهر في العالم الثالث حتى وإن كانت تتراجع في الغرب. ويبدو أن الصحف تواجه الانقراض الوشيك، مع تسبب الهجرة الجماعية إلى الإنترنت في ركودها، ولكن هذه ليست الحال في كل الدول. ففي الغرب، استغنى الشباب إلى حد كبير عن الصحيفة الصباحية المسلمة إلى المنازل، وبدلاً من ذلك لاحقوا الأخبار، باستخدام أجهزة الكمبيوتر أو المحمولة أو الهواتف.

ومع تراجع إيرادات الإعلان بفِعل عمالقة الإنترنت مثل فيسبوك وغوغل واستحواذهما على سوق الإعلانات، انخفضت أرباح الصحف إلى مستويات متدنية للغاية. مثلما ارتفع أيضا عدد من يتعاملون مع الإنترنت وصحافته الإلكترونية إلى 2.5 مليار، مقابل 1.7 مليار عدد قراء الصحف الورقية وهذا ما جعل روبرت ميردوخ يتنبأ بأن الصحافة الورقية سوف تختفي بحلول عام 2020 ، بينما يرى مؤلف كتاب “النهاية الحتمية للإعلام الورقي” فيليب ماييرز أن آخر مطبوع ورقي سيصدر في 2043 .

وهناك من يرى العكس، فخوان سنيور الخبير العالمي وأحد أبرز القيادات في مجال تطوير الإعلام وأحد مؤسسي مجموعة أنوفيشان للاستشارات الإعلامية في لندن والأستاذ الزائر بجامعة أكسفورد يرى أن الصحافة الورقية لن تموت، وأن الشكل الحالي قد يختفي أو يتأثر، لكن في النهاية سيكون هناك نموذج ورقي ناجح بشكل أو بآخر. فالمطلوب هو إعادة اختراع المحتوى والاهتمام به سواء كان عبر صحف ورقية أم إلكترونية، وأن تتم إعادة الاعتبار للحقائق والمعلومات الجديدة وليس البيانات الرقمية والآراء الرخيصة التي تشبع الناس بها.

إن الكثيرين قالوا إن الصحافة الورقية ماتت عام 1922 حينما انطلقت إذاعة بي بي سي من لندن، ثم تكرر الأمر عام 1928 بظهور التلفزيون، وحينما ظهرت الإنترنت عام 1998 قالوا إنه سيقضى على الثلاثة معا، لكن الوسائل كلها لا تزال تعيش بجانب بعضها البعض. وهناك من يرى أن الصحف الورقية كانت في طريقها للزوال لولا أن منحتها الصحافة الإلكترونية رئة للتنفس مرة أخرى.

ومع ذلك، تظل الصحف المطبوعة في الهند تمثل صناعة موفورة الصحة إلى حد مذهل، فالهند الآن موطن لأكبر عدد من الصحف المدفوعة في العالم، والعدد مستمر في النمو، من 5767 في 2013 إلى 7871 في 2015.

وفي نفس الفترة توقفت خمسون صحيفة في الولايات المتحدة، التي لديها أقل من ربع الصحف المطبوعة في الهند، وتُظهِر الأرقام أن توزيع الصحف في العقد الماضي سجل نموا كبيرا في الهند، من 39.1 مليون نسخة في 2006 إلى 62.8 مليون نسخة في 2016 – بزيادة قدرها 60 بالمئة، وهي زيادة لا نظير لها في العالَم.

وتشير البيانات المقارنة للعام 2016، إلى انخفاض أرقام التوزيع في كل الأسواق الإعلامية الكبرى تقريباً: بنحو 12 بالمئة في المملكة المتحدة، و7 بالمئة في الولايات المتحدة، و3 بالمئة في ألمانيا وفرنسا، في حين ارتفعت أرقام توزيع الصحف بنحو 12 بالمئة في الهند.

ولا يمكننا أن نعزو قوة صناعة الصحف المطبوعة في الهند إلى ضعف نمو الوصول إلى الإنترنت: ففي العقد الماضي، ارتفعت نسبة سكان الهند الذين لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت من أقل من 10 بالمئة إلى نحو30 بالمئة.

لذلك على وسائل الإعلام، وبالذات الصحافة، أن تسعى بكل قوة في اتجاهين، الأول: مزاحمة غوغل وفيسبوك في عائداتهما، وبناء تحالفات محلية وإقليمية للضغط عليهما لوضع معايير جديدة وعادلة للمنافسة، فوسائل الإعلام هي من تثري الإنترنت بمحتوى حقيقي محترف، يكلف أموالا طائلة، وخسارتها وتوقفها سيعني خسارة فيسبوك وغوغل أيضا.

والثاني: البحث عن طرق ربح غير تقليدية، ونماذج أعمال مبتكرة مثل محاولات الغارديان للدخول في مشروعات استثمارية متنوعة، أو ما تقوم به نيويورك تايمز من محاولات لضم كيانات صغيرة بنماذج ربحية جديدة من عائدات الإنترنت، وآخر صفقاتها كانت للاستحواذ على موقع صغير ولكن مربح وهو بقيمة 30 مليون دولار.

باختصار، فإن الورق جزء من صناعة الثقافة وإذا حاربت الدولة النشر المطبوع فإنها بذلك تقود معركة من أجل تحقيق نسبة أكثر في التخلف، فحينما تموت الصحافة في بلد، سيموت فيه كل شيء!

كاتب وأكاديمي من العراق

18