الصحافة تعود إلى جمهورها المستعد لدفع ثمن أخبارها

يتراجع المعلنون إلى المرتبة الثانية كونهم مصدرا للإيرادات بالنسبة إلى وسائل الإعلام، فيما أصبح على هذه الوسائل أن تبذل جهودا أكبر لنيل رضا جمهورها الذي يبدي استعدادا متصاعدا لدفع ثمن الأخبار مع إيمانه بأن المحتوى المدفوع أكثر جودة من المجاني.
الأربعاء 2017/11/29
المحتوى المتميز لن يبقى مجانيا

واشنطن - تعول المؤسسات الإعلامية اليوم على المحتوى المدفوع في ظل تراجع إيرادات الإعلانات، وتبحث عن شتى الحلول والأساليب التي تجذب القراء والمستخدمين للدفع مقابل الأخبار التي يحصلون عليها، إذ يؤكد خبراء الإعلام أن الجمهور أصبح مستعدا لذلك.

وأصدر ريتشارد فليتشر، من مؤسسة رويترز، تحليلا معمقا للأسباب الرئيسية التي قادت الناس حول العالم إلى الدفع مقابل الأخبار على الإنترنت. وشمل التقرير الرقمي لعام 2017، مقابلات مع أكثر من 70000 شخص في 36 بلدا، بحسب تقرير جيمس بريمر نقلته شبكة الصحافيين الدوليين.

وعززت نتيجة البحث فرضية الأهمية المتزايدة للمستخدمين بدلا من المعلنين كمصدر أساسي للإيرادات بالنسبة إلى وسائل الإعلام، التي تبحث عن البقاء والاستمرار في العصر الرقمي.

ولاحظ فليتشر أن أكثر الأسباب شيوعا التي يدفع الناس من أجلها، أنهم يريدون الولوج إلى الأخبار عبر الهاتف وذلك بنسبة 30 بالمئة، والسبب الثاني أنهم يحبون استهلاك الأخبار من مصادر مختلفة بنسبة 29 بالمئة، ليأتي ثالثا، أنه عُرضت عليهم صفقة أو مجموعة جيدة بنسبة 23 بالمئة.

ويرى بريمر أن الرسالة يجب أن تكون واضحة لناشري المحتوى الرقمي، إذ عليهم التأكد من أن المحتوى يعرض بسرعة ويتكيّف بشكل جيد مع الشاشة الصغيرة، إلى جانب أن يكون التصميم جذابا أيضا، ويجب أن يتم اختبار مختلف الأسعار والحُزم المعلوماتية على الإنترنت لمعرفة أي منها تنجح بتحقيق أفضل العائدات.

وأظهر التقرير أن هناك أسبابا رئيسية أخرى للدفع مقابل الأخبار الرقمية، مشيرا إلى أن المستهلكين مستعدون للدفع مقابل المعلومات النوعية، المتميّزة والملائمة لتوجهاتهم، للوصول إليها، فكانت نسبة 17 بالمئة تدفع لأن مصدر الأخبار المفضل لديها لا يسمح بالدخول المجاني، فيما قال 17 بالمئة إنّها الوسيلة الوحيدة للوصول إلى معلومات متخصصة، وأعرب 17 بالمئة أيضا عن رغبتهم بالوصول إلى معلومات لا يصل إليها معظم الناس.

جيمس بريمر: على الناشرين التأكد من أن المحتوى يتكيف جيدا مع الشاشة الصغيرة

وذكر 16 بالمئة أنه كانت هناك فائدة من الاشتراك إضافة إلى الوصول إلى الأخبار. ورأى 16 بالمئة أن ما يتم دفعه للأخبار أرخص من تكاليف الوصول إلى شبكة من دون إنترنت. بينما اعتبر 16 بالمئة أن الأخبار التي تدفع ثمنها أفضل من الأخبار المجانية.

ونصح التقرير الناشرين بالاطلاع على دليل التشغيل لعملاق البيع بالتجزئة “أمازون” الذي يركز على جعل تجربة المستخدم سهلة ومثمرة وشخصية قدر الإمكان.

وخلص فليتشير أيضا إلى أن النسبة المئوية للجمهور المستعد لدفع ثمن الأخبار عبر الإنترنت قفزت في الولايات المتحدة من 9 بالمئة إلى 16 بالمئة في سنة واحدة فقط، أي أكثر من أي بلد آخر. والسبب بحسب فليتشر “صدمة سياسية”.

وأظهرت البيانات أن جزءا كبيرا من هذا النمو في الولايات المتحدة جاء من الشباب وأولئك الذين لديهم نزعة يسارية في الطيف السياسي. فعندما طُلب منهم إعطاء أسباب لدفعهم ثمن الأخبار، فإن الولايات المتحدة كانت أكثر المستجيبين (29 بالمئة) من بين جماهير 36 بلدا اختارت خيار “أريد المساعدة لتمويل الصحافة”. وهو تفسير متفائل لمستقبل السلطة الرابعة يمكن أن يكون بإدراك المستهلك في الولايات المتحدة أهمية الصحافة في الديمقراطية السليمة.

وقالت ستيفاني إدجيرلي، الأستاذة في مدرسة “ميديل” للصحافة في شمال غرب أستراليا، والتي تدرس كيفية تفاعل الشباب مع الأخبار، إن تحديد هوية العلامة التجارية أمر مهم. وأضافت “الأخبار هي علامة تجارية وهي تمثل نوعا معيّنا من القيم التي يريد القارئ أن يربط نفسه بها وتصبح أكثر أهمية في هذا المناخ السياسي”.

وأشارت إلى أنها لا تعني بكلمة “القيم” فقط التوجهات الليبرالية والمحافظة والديمقراطية والجمهورية. إذ أنها أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

وتابعت “تمثل هذه القيم نمط الحياة، وهي تمثل رؤيتك لنفسك، سواء كنت تريد أن تظهر بمظهر المفكر الواعي اجتماعيا الذي يقدر قيمة الفنون أو المعارض الساخر الذي يعرف الحجج السياسية الغامضة”. ويقول دواين شيبارد، المدير التنفيذي للتسويق الاستهلاكي في “كوندي ناست”، “جيل الألفية يختار الطباعة بأغلبية ساحقة، أو رقمية ومطبوعة. هذا تمثيل مادي للعلاقة. إذا كنت في مترو الأنفاق أو كنت في المطار وتحمل نسختك من صحيفة ما، فهذه إشارة أخرى على نوعية اهتماماتك وما اخترت أن تقرأ”.

وفي عصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد تكون صحف معينة رمزا للمعارضة، ولكن يبقى السؤال ما إذا كان هذا الاتجاه من قبل الشباب لدفع ثمن الأخبار مستداما؟ ويقول نيك نيومان، من معهد رويترز، إنه حتى عندما ينتهي تأثير ترامب، يظل تبني جيل الألفية لخدمات الاشتراك علامة إيجابية لهذه الصناعة.

ويضيف أنه خلص إلى أن هناك علاقة قوية بين الذين لديهم استعداد لدفع ثمن خدمات البث الموسيقي والفيديو وأولئك الذين لديهم استعداد لدفع ثمن الأخبار. مشيرا إلى أن “الخدمات الأخرى عبر الإنترنت قد أعطت الناس القواعد الأساسية التي تفهمهم فكرة الاشتراكات”، من حيث تقديم مستويات مختلفة من الاشتراكات وأنواع مختلفة من المزايا الداخلية.

18