الصحافة تقسّم المجتمع

غضب برلماني أو وزير بسبب أسئلة قد يتسبب في انقسام المجتمع بينما سلوك السياسي الطائفي والشعبوي لا يقسم المجتمع لأن بيده السلطة وشبكة العلاقات.
الثلاثاء 2019/09/24
حارس ومراقب

في المشهد السائد وفي المقابلات الصحافية أو على الشاشات يتخاصم السياسيون ويتقاطعون ويتصارخون وتنقل الصحافة ووسائل الإعلام بكل أمانة تلك السجالات التي لا تنتهي.

لكن الساسة بعد أن يخرجوا من المعمعة تنتهي صلتهم الآنية بكل الخصومات لأن ذلك من صميم مهمّتهم ويوميات عملهم ثم يتابعون تداعيات تلك السجالات في ما بعد.

لكنْ الأمر بالنسبة للصحافة مختلف تماما، فهي في تتبعها لتلك السجالات وتحليل تداعياتها سوف تدخل شاءت أم أبت وفي الكثير من الحالات في دائرة الانحياز، وأنتم مع من وضد من؟

لن يشفع للصحافة أنها حارس ومراقب وناقل للحقيقة ومحلل لها بل لا بد أن تنحو منحى آخر قد لا تريد الوصول إليه.

في الصحافة البريطانية مثلا هناك عدد كبير من كتّاب الأعمدة الراسخين الذين لا يمكن أن تخطئهم في الصحف الرئيسية في البلاد ومنهم أيضا المحللون لاسيما مع وضع صعب وشديد التعقيد هو موضوع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

أنشأ هذا الوضع استقطابا شديدا وغير مسبوق وتجسمت بشكل حاد ظاهرة من هو مع ومن هو ضد، أي ضد الطلاق من أوروبا أو البقاء معها.

لكن بموازاة ذلك هنالك ظاهرة اتهام السياسيين للصحافة بأنها “حرّفت أقوال السياسي أو المسؤول أو أنها أخرجتها من موضعها أو أنها اجتزأت ما قاله”.

هذه الظاهرة هي أبسط الاتهامات وأكثرها شيوعا التي يتم إلصاقها بالصحافة وبالصحافي عندما يريد السياسي أن يخرج من تبعات ما قاله، وهي حالة من يبحث عن كبش فداء.

الصحافة البريطانية نقلت في ما يتعلق بحالة بريكست تساؤلات حول ما إذا كان رئيس الحكومة الأسبق ديفيد كاميرون هو المسؤول عن حالة الفوضى السياسية التي ضربت البلاد بسبب إصراره على الخروج من أوروبا وإجراء الاستفتاء عندما كان رئيسا للحكومة.

وقالت الصحافة إن هناك تسريبات مفادها أن المسؤول البريطاني يشعر بالأسف وهو نادم على ما آلت إليه الأمور.

محافظون كثر أنكروا أن تصدر عن المسؤول البريطاني مواقف كهذه لكي لا تخف جذوة المطالبين بالانفصال، لكن اللوم الذي ألقي على التسريبات التي نشرتها الصحافة سرعان ما تبدّد بعد ظهور المسؤول البريطاني نفسه مؤخرا ليؤكد أسفه وربما ندمه عما جرى ومما لم يكن في حسبانه أن يصل بالوضع الداخلي البريطاني إلى هذه الحالة الانقسامية الخطيرة.

أما بوريس جونسون رئيس الحكومة الحالي فقد سربت الصحافة عن مصادر محيطة به أنه قد يلجأ إلى تعليق عمل البرلمان بإرادة ملكية وساعتها أيضا تم لوم الصحافة على تسريبها مثل هذه الأخبار وأن فعلا كهذا هو انقلاب على الديمقراطية.

بعد مدة قصيرة تحقق تعليق البرلمان وتم تعطيل أعماله وصدق ما قالته الصحافة وسكت السياسيون الذين غضبوا في ما سبق.

الإعلام الذي يتهم بأنه يقسّم المجتمع يبدو اتهاما سهلا، عندما يظهر السياسي في برنامج أو في مقابلة صحافية ويمس أطرافا سياسية أخرى ويوجه اتهامات سوف تجد الصحيفة أو المؤسسة الإعلامية نفسها في مرمى النيران.

لماذا استضافت هذا الشخص ولماذا سأله المحاور أو مقدم البرنامج تلك الأسئلة، وأن القناة الفضائية أو الصحيفة منحازة وتصطاد في الماء العكر.

هذه الاتهامات كثرت بشكل غير مسبوق وتظهر حالما يكون خطاب الصحيفة أو المؤسسة الإعلامية بما يخالف توجهات سياسية بعينها.

يمكن أخذ أمثلة من العلاقة السيئة للرئيس الأميركي دونالد ترامب مع صحف ومؤسسات صحافية وإعلامية عريقة وصحافيين معروفين لأنها نحت المنحى الذي ذكرناه وصولا إلى العراق حيث تتكرر قصة مقاضاة الصحافيين والإعلاميين للأسباب ذاتها.

غضب برلماني أو وزير بسبب أسئلة قد يتسبب في انقسام المجتمع بينما سلوك السياسي الطائفي والشعبوي لا يقسم المجتمع لأن بيده السلطة وشبكة العلاقات.

18