الصحافة سلعة بائرة في لبنان

دفعت الصحافة اللبنانية ثمن تخلخل الوضع السياسي، بعد الجمود السياسي وتراجع التمويل الداخلي والعربي، وهو ما انعكس أيضا على مختلف وسائل الإعلام الأخرى وخصوصا القنوات الفضائية التي فقدت أيضا جزءا كبيرا من إيرادات الإعلانات.
الخميس 2016/03/31
السفير من دون مستقبل

بيروت - يتأرجح مصير صحيفة السفير اللبنانية بعد قرارها التوقف عن الصدور، ثم إعلانها استئناف الطباعة إثر حصولها على تمويل مجهول المصدر يمكنّها من الصمود لعدة أشهر، فيما تقول الصحيفة إنها ستناضل حتى آخر قرش للاستمرار.

هذا الوضع يلخص حال الصحافة والمؤسسات الإعلامية اللبنانية عموما اليوم، والتي تعاني من أزمة خانقة، تأخذ أبعادا أكبر من التمويل والاقتصاد وتراجع الإعلانات، فهي تتزامن مع الأزمة السياسية المطبقة على البلاد. ورغم تغني الإعلام اللبناني بأن صحافة بلاده هي المنبر العربي الوحيد الذي يتمتع بحرية التعبير، إلا أنه لا يستطيع إخفاء حقيقة المرجعيات السياسية التي تدعم مختلف وسائل الإعلام وتضمن استمرارها وبقاءها، وبالنتيجة دفعت الصحافة ثمن تخلخل الوضع السياسي.

ويؤكد اختصاصيون وصحافيون أن أسباب الأزمة الرئيسية تعود إلى الجمود السياسي وتراجع التمويل الداخلي والعربي، وراجت شائعات مؤخرا عن إقفال وشيك لصحيفة “النهار”، منافسة “السفير”، والصحيفة الأعرق في لبنان (تأسست العام 1933)، سارعت إدارة الصحيفة إلى نفيها. لكن المعروف أن موظفي “النهار” لا يتقاضون منذ حوالي سنة رواتبهم بشكل منتظم. وكذلك هو الحال بالنسبة إلى صحف ومحطات تلفزيونية أخرى، بينها مؤسسات تابعة لرئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، أحد أكبر أثرياء العالم.

واتخذت صحيفة “السفير” التي تأسست في العام 1974، قبل سنة واحدة من بدء الحرب الأهلية (1975-1990)، الأسبوع الماضي، قرارا بالتوقف عن الصدور أبلغته إلى العاملين فيها، لتعود وتتراجع عنه وتقرر خفض عدد صفحاتها من 18 إلى 12، فيما مصير 159 موظفا على المحك.

وأكد طلال سلمان، مؤسس ورئيس تحرير “السفير” ذات الميول اليسارية، “لم تمر الصحافة في لبنان الذي لطالما كان رائدا على الساحة الإعلامية العربية، بأزمة بهذه الشدة من قبل. إنها أسوأ الأزمات على الإطلاق”.

وقال سلمان “لم يعد لدينا بارود”، مضيفا “نبحث حاليا عن شريك لتعزيز الرأسمال مع ضغط المصروف.. سنبذل أقصى جهد ممكن وحتى آخر قرش”.

وتأثرت المؤسسات الصحافية كما جميع القطاعات الأخرى في لبنان بالوضع السياسي في المنطقة، منذ بدء النزاع في سوريا المجاورة، وساهمت الأزمة السورية في تعميق الانقسامات الداخلية وفي شلل المؤسسات، حيث انكفأ لبنان عن الواجهة السياسية والإعلامية، بسبب شغور منصب رئاسة الجمهورية منذ مايو 2014، كما تم إرجاء الانتخابات النيابية مرتين. وبالرغم من تكدس الأزمات المعيشية، يعجز البرلمان أو الحكومة عن الاجتماع أو اتخاذ القرارات.

وأشار سلمان إلى أن “هناك خواء في الحياة السياسية في لبنان ولا صحافة في غياب السياسة ولا سياسة في لبنان اليوم”.

أحمد زين الدين: الصحافة اللبنانية لم تتأقلم مع السوق الإعلامي الجديد ولم تستشرف الأزمة

وتنقسم وسائل الإعلام اللبنانية إجمالا، بين مؤيدة لقوى 14 آذار ومن أبرز مكوناتها تيار المستقبل بزعامة الحريري، وقوى 8 آذار وأبرز مكوناتها حزب الله.

ويوضح أحمد زين الدين، الأستاذ في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، أن “الصحافة العربية عموما واللبنانية تحديدا ليست صحافة جمهور ولكنها صحافة تمويل، تقوم على التمويل الذي يأتي من جهات سياسية أو اقتصادية ودول أخرى”.

ومنذ حوالي عامين، تواجه صحيفة “المستقبل” وتلفزيون “المستقبل” المملوكان من الحريري صعوبات جمة في تسديد رواتب موظفيهما، وبلغ بهما الأمر مرة إلى التوقف عن الدفع لأكثر من عشرة أشهر متواصلة.

ولا يقتصر الأمر على الصحف، إذ طردت محطتا “أل بي سي آي” و”الجديد” التلفزيونيتان عددا كبيرا من الموظفين.

ويرى زين الدين أن “الصحافة اللبنانية لم تتأقلم مع السوق الإعلامي الجديد، ولم تستشرف الأزمة”، مضيفا أن الحل اليوم في “إعادة تنظيم الصحافة لنفسها والتعامل مع التحولات الجديدة”.

بدوره قال عميد كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية جورج صدقة إن أحد أهم أسباب أزمة الصحافة اليوم يكمن في “تراجع المال السياسي والدعم من الأنظمة العربية اللذين كانا يمولان قسما كبيرا من الإعلام اللبناني”.

وعلى مر تاريخه الحديث، حولت مساحة الحريات في لبنان الإعلام اللبناني إلى أداة للصراعات الإقليمية. ودفع صحافيون حياتهم ثمن هذه الحرية، من نسيب المتني وسليم اللوزي ورياض طه وغسان كنفاني وصولا إلى جبران تويني وسمير قصير.

وتعرض طلال سلمان في العام 1984 لمحاولة اغتيال، واستهدفت صحيفته التي عرفت بتأييدها للقومية العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال فترة الحرب الأهلية (1975-1990).

وخلال تلك الحرب، كانت ليبيا والعراق وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية من أبرز الجهات الممولة للصحافة اللبنانية. وبرزت بعد الحرب كل من السعودية وقطر وإيران.

ويقول صدقة “فقد الإعلام اللبناني تأثيره وتراجعت سلطته ما يعني تراجع الفائدة منه بالنسبة إلى الأنظمة العربية التي كانت تموله”، فهي لم تعد بحاجة إلى وسيلة لبنانية لتمرير رسائلها بل تعمد مباشرة إلى تمويل وسائل خاصة بها.

ويضاف إلى تراجع التمويل السياسي، تأثر سوق الإعلانات التي كانت تساهم في تمويل المؤسسات الإعلامية بالأزمة السياسية.

ويرى رئيس المنظمة الدولية للإعلان (فرع لبنان) ناجي عيتاني، أن شركات الإعلان باتت تدرك أن “اهتمام اللبنانيين بالصحف والمجلات التقليدية تراجع لصالح وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى التلفزيون”.

ووفق شركة أبسوس لأبحاث الأسواق، تراجعت الإعلانات في الصحف اللبنانية 10.7 بالمئة بين 2014 و2015.

18