الصحافة عالقة بين الإرهابيين وسلطات تدعي مكافحة الإرهاب

الأرقام الحقيقية لأعداد الصحفيين الذين قتلوا حول العالم بسبب المهنة لا يمكن حصرها، لكن البارز والمؤكد أن الحصيلة في ارتفاع مستمر، وأن الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها داعش مسؤولة عن أكثرية الجرائم.
الأربعاء 2015/12/30
الصحفي هو الخبر

نيويورك – تتكرر إحصاءات المنظمات الدولية حول عدد الصحفيين الذين قتلوا في العالم، بصورة دورية، لكنها لم تستطع التوصل إلى رقم حقيقي في ظل صعوبة الأوضاع وعدم إمكانية الحصول على أنباء مؤكدة من مناطق الصراع، لا سيما الشرق الأوسط الذي يتصدر طيلة الأعوام الأخيرة المرتبة الأولى في الفتك بالصحفيين، ورغم ذلك تخلص التقارير إلى تدهور وضع الصحفيين وتزايد خطورة عملهم في العالم بصورة عامة.

وبحسب تقرير لجنة حماية الصحفيين أمس، لقي 69 صحفيا حتفهم في جميع أنحاء العالم بينما كانوا يقومون بواجهبم، بمن فيهم الصحفيون الذين قتلوا انتقاما منهم على عملهم والصحفيون الذين لقوا حتفهم من جراء الأعمال القتالية أو النيران المتقاطعة أو أثناء قيامهم بمهمات خطرة.

وتمثل هذه الحصيلة، والتي تتضمن الصحفيين الذين قتلوا ما بين أول يناير إلى 23 ديسمبر 2015، زيادة عما بلغته في عام 2014 إذ شهد العام الماضي مقتل 61 صحفياً. وتجري اللجنة تحقيقات بشأن مقتل 26 صحفيا آخرين على الأقل خلال العام، لتحديد ما إذا كانت وفاتهم مرتبطة بعملهم.

وعلى العكس من العام الماضي، كانت حالات القتل موزعة بين البلدان. فقد قتل خمسة صحفيين على الأقل في كل من العراق والبرازيل وبنغلاديش وجنوب السودان واليمن، علما أن العدد في العراق غير مؤكد نظرا للأنباء التي حصلت عليها “العرب” طيلة عام، استنادا لشهادات أهالي المناطق التي تسيطر عليها داعش تحدثت عن مقتل عدد أكبر من الصحفيين.

وقد نفذت لجنة حماية الصحفيين بعثة بحثية إلى العراق في هذا العام للتحقيق في التقارير التي تفيد بأن ما يصل إلى 35 صحفيا من الموصل هم إما مفقودون أو قتلى أو محتجزون لدى تنظيم داعش. ولكن بسبب القبضة المحكمة التي يفرضها التنظيم المسلح على المعلومات بشأن المدينة، لم تتمكن اللجنة من تأكيد سوى حالات قليلة.

الأشخاص الذين ظلوا يمارسون العمل الصحفي في البلدان التي تمزقها النزاعات غالبا مرتبطون بجماعات مشاركة في النزاع
وقد تلقت تقارير من جميع أنحاء المنطقة تشير إلى مقتل العشرات من الصحفيين، إلا أنها لم تتمكن من التأكد بصفة مستقلة ما إذا كان الأشخاص المشار إليهم هم صحفيون بالفعل، وإذا كانوا صحفيين، ما إذا كانوا قتلوا بسبب عملهم الصحفي. ويمكن الحصول على معلومات حول عدد من هؤلاء الصحفيين ضمن قائمة الصحفيين “المفقودين” التي أعدتها لجنة حماية الصحفيين.

وتجاوزت حالات قتل الصحفيين في سوريا خلال الأعوام 2012 و2013 و2014، جميع الحالات الأخرى في العالم. ويعكس التراجع في عدد الصحفيين القتلى في سوريا -والذي بلغ 13 صحفيا في عام 2015- بصفة جزئية تناقص عدد الصحفيين الذين يعملون هناك، وذلك بعد أن قررت منظمات إخبارية دولية عديدة عدم إرسال موظفين إلى سوريا، بينما لجأ الصحفيون المحليون إلى الفرار إلى المنافي.

بيد أن العدد الأقل من حالات القتل المؤكدة في سوريا يعكس أيضا الصعوبة المتزايدة في البحث بشأن الحالات هناك وفي مناطق أخرى تمزقها النزاعات، بما في ذلك ليبيا واليمن والعراق.

أما الأشخاص الذين ظلوا يمارسون العمل الصحفي في البلدان التي تمزقها النزاعات، فغالبا ما يكونون مرتبطين بجماعات مشاركة في النزاع، مما يزيد من تعقيد المساعي الدولية في تحديد الأسباب التي أدت إلى مقتلهم.

وأعلن تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية مسؤوليته عن المذبحة التي أودت بحياة ثمانية صحفيين من المجلة الساخرة “شارلي إيبدو” في باريس في يناير. وقام تنظيم الدولة الإسلامية في أكتوبر باغتيال صحفيَين سوريَين، وهما فارس حمادي وإبراهيم عبدالقادر، اللذان كانا يعيشان في المنفى في تركيا.

أكثر من ثلثي الصحفيين القتلى في جميع أنحاء العالم في عام 2015 قد استُهدفوا بالاغتيال انتقاما منهم على عملهم
وكان إبراهيم عبدالقادر من أوائل أعضاء مجموعة “الرقة تُذبح بصمت” وهي مجموعة سورية مؤلفة من صحفيين مواطنين، وكانت لجنة حماية الصحفيين قد كرمتها في عام 2015 بمنحها الجائزة العالمية لحرية الصحافة. كما قتل الصحفي السوري ناجي الجرف في تركيا على يد داعش بعد إنجاز التقرير.

حدثت هذه الجرائم في الوقت الذي كانت فيه الحكومات في جميع أنحاء العالم تسجن 110 صحفيين على الأقل على خلفية اتهامات بمناهضة الدولة (من مجموع 199 صحفيا سجينا في جميع أنحاء العالم)، حسبما ذكر آخر إحصاء سنوي للصحفيين السجناء والذي تعده لجنة حماية الصحفيين، مما يُظهر كيف تجد الصحافة نفسها عالقة بين الإرهابيين من جهة وبين السلطات التي تزعم بأنها تكافح الإرهاب من جهة ثانية.

وكان أكثر من ثلثي الصحفيين القتلى في جميع أنحاء العالم في عام 2015 قد استُهدفوا بالاغتيال انتقاما منهم على عملهم، وهذه النسبة تنسجم مع المعدل التاريخي إلا أنها تفوق النسبة التي سجلتها لجنة حماية الصحفيين خلال السنوات الخمس الماضية.

وجرى حوالي ثلث جرائم قتل الصحفيين في جميع أنحاء العالم على يد جماعات إجرامية، ومسؤولين حكوميين، أو مواطنين محليين.

وبرزت من أبحاث لجنة حماية الصحفيين أن وظيفة مراسل صحفي لوسائل البث الإخباري كانت الوظيفة الصحفية الأخطر، حيث بلغ عدد القتلى بين ممتهنيها 25 قتيلا.

وبلغ عدد الضحايا ممن يعملون في وسائل إعلام إلكترونية تسعة وعشرين ضحية. وكان الموضوع الذي كان يغطيه أكبر عدد من الضحايا هو السياسة، يليه الحرب وحقوق الإنسان.

ودخل جنوب السودان، آخر بلد حصل على استقلاله في العالم، للمرة الأولى في قاعدة البيانات التي تعدها اللجنة حول الصحفيين القتلى إثر قيام مسلحين مجهولين بنصب كمين لموكب سيارات رسمية في ولاية غرب بحر الغزال، مما أدى إلى مقتل خمسة صحفيين كانوا يرافقون الموكب.

18