الصحافة على حدود السلطة

الاثنين 2016/09/19

بدأت الصحافة مع نشأة اللغة على كهوف الإنسان الأول الذي كان يصور نفسه، ويصور الحيوانات التي يخشاها أو تلك التي يرغب في اصطيادها. وكان هذا تعبيرا عن حاجة فطرية لدى الإنسان إلى المعرفة، وإلى تبادل المعلومات.

وتطورت الصحافة مع تطور المجتمعات البشرية، فانتقلت من جدران الكهوف إلى جدران المعابد، حيث سجل المصريون القدماء، على سبيل المثال، أدق تفاصيل الحياة اليومية في أزمنتهم: انتصاراتهم، فنونهم، علومهم، أشعارهم، ورحلة موتهم، فضلا عن رسوم كاريكاتيرية مضحكة.

وفي عصور تالية، تطورت الصحافة فاتخذت شكل المنادي الذي يدور في الشوارع لإعلام الناس بقرارات الحكام التي يجب أن يمتثلوا لها، إلى أن قفزت قفزتها الكبرى مع نشأة الطباعة. خرجت الصحافة، بشكل ما، على هذا النحو، من جيب السلطة، لكنها احتاجت إلى وقت طويل جدا لكي تتمكن من الوقوف على حدودها، ولتحفظ لنفسها استقلالها كمهنة، وكسلطة مجتمعية في آن واحد.

وفي المقابل، تعمل السلطة -في كل الأوقات- على إعادة الصحافة إلى جيبها، إما بشكل مباشر من خلال السيطرة عليها بامتلاكها، وإما بشكل غير مباشر من خلال إعاقة عملها أو إضعاف مصداقيتها. وفي هذه الدائرة، يسقط صحافيون كثيرون في فخ السلطة، لكن آخرين يمشون على الحبل، مولين وجوهم وأقلامهم شطر المتلقي، معتبرين إياه الهدف الأكثر جدارة بالإرضاء.

لم تنفصل الصحافة، في أي وقت، عن السياسة، لأن السياسة هي فن تسيير أمور الناس، ولأن الناس هم الهدف، سواء بالنسبة للسياسي أو للصحافي. كلاهما يريد أن يصيب عقل المتلقي، لكن السياسي يريد في غالب الأحيان توجيه هذا العقل إلى خدمة مصالح السلطة، فيما يريد الصحافي- في التعريف الأساسي لوظيفته- أن يطلعه على ما يحدث حوله، ليساعده على التفكير والاختيار.

وفي العالم العربي، أتى على الصحافيين حين من الدهر كانوا فيه مجرد أدوات لتحقيق أهداف السلطة. ولم يعد مدهشا أن تسأل صحافيا عن وظيفة الصحافة فيجيبك بأنها “توجيه الرأي العام”، وانتقل هذا المفهوم من جيل إلى جيل حتى أصبح فيروسا تجب مقاومته، لكي تخطو الصحافة خطوة في اتجاه تحقيق وظيفتها الأساسية، وهي “إعلام الجمهور بالخيارات المتاحة، لكي يتمكن من اختيار القرار المناسب”.

تواجهني هذه المهمة، دائما، في حلقات التدريب مع صحافيين شبان ورثوا هذا المفهوم من أجيال سابقة، عندما كان الاسم الغالب على وزارات الإعلام في البلدان العربية يحتوي على كلمات من قبيل “الإرشاد القومي”. لا يحتاج الجمهور إلى إرشاد أو توجيه، بل إلى إخبار وإتاحة معلومات شفافة ودقيقة، وهو الأمر الذي تدركه السلطة وتعمل على مقاومته بأي شكل لكي تتمكن من السيطرة على عقول الشعوب. كما أن مفهوم التوجيه والإرشاد يحمل، في جوهره ومظهره، إهانة كبيرة للجماعات البشرية التي تشكل مكونات الدولة، أي دولة. وما لم يكن الصحافيون على وعي بذلك، لن يكون بإمكان الصحافة أن تتطور، ولن يكون بإمكان الشعوب أن تحصل على حقها الأساسي في المعرفة.

سيبقى هذا الصراع قائما بين الصحافة والسلطة (سواء كانت السلطة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية)، ولكن الأمر الذي يدعو إلى التفاؤل هو أن التقدم التقني سيضعف موقف السلطة تدريجيا في المستقبل، إلى أن تسلم بأن حق الحصول على المعلومات هو حق أساسي من حقوق الإنسان، لا تمكن إعاقته بأي حال. في المقابل، على الصحافي أن يسلح نفسه بمعرفة التقنيات الحديثة، أولا بأول، وهي التي ستفعل كل شيء، تلقائيا، وبالتراكم.

كاتب مصري

18