الصحافة في تركيا عمل بمرتبة الجاسوسية

تحولت الصحافة في تركيا إلى نضال يومي في سبيل نقل الوقائع والحقائق التي لا تروق لمزاج الحكومة والتي تشدد الخناق على الصحفيين وبالأخص المعارضين منهم، لكنهم يواصلون التحدي حتى من سجونهم.
الاثنين 2015/12/28
في انقرة.. فضح الإرهابيين جريمة

انقرة – خرج الصحفيون الأتراك لإطلاق صرخة احتجاج ضد الحملة الشرسة التي تشنها الحكومة التركية ضد الصحافة والإعلام في تركيا، تحديا للسياسات القمعية ضدهم، وتضامنا مع زملائهم المعتقلين وفي مقدمتهم رئيس تحرير صحيفة جمهورييت ومدير مكتب الصحيفة في أنقرة واللذان تم اعتقالهما قبل شهر.

وحمل المتظاهرون لافتات تستنكر سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية المعادية لحرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير، مؤكدين أن نظام الرئيس رجب طيب أردوغان يسعى للقضاء على أي صوت إعلامي معارض.

وجاءت المظاهرة بعد شهر من اعتقال جان دوندار رئيس تحرير صحيفة “جمهورييت” على خلفية نشرها فيديو يصور الأسلحة والمعدات العسكرية التي كانت على متن شاحنات جهاز المخابرات التركي وهي في طريقها إلى التنظيمات الإرهابية في سوريا والتي تم توقيفها في يناير من العام الماضي.

وتشكل قضية دوندار رئيس تحرير كبرى صحف المعارضة التركية وأردم غول مدير مكتبها في أنقرة مثالا لوضع حرية الصحافة في تركيا حيث وجهت إلى الصحفيين تهم “التجسس وكشف أسرار الدولة”. واعتبر أردوغان نشر الفيديو “خيانة” وتوعد في حديث إلى التلفزيون بأنه سيجعل دوندار “يدفع الثمن غاليا”.

ويتحدى دوندار السجن بمواصلة الكتابة والتواصل مع العالم الخارجي عبر مقالاته اليومية والكتابة عن حياته خلف القضبان.

ويقبع دوندار وغول في سجن سيليفري القريب من إسطنبول بانتظار محاكمتهما التي لم يحدد موعدها بعد، ولكن هذا لم يمنع الصحفي الشهير ومؤلف العديد من الكتب من كتابة مقالاته اليومية التي لا يبدي فيها أي ندم ويروي فيها ظروف حياته في السجن.

وفي مقاله الأول بعنوان “جاسوس مبتدئ” يروي دوندار لحظات وصوله إلى السجن التي تشبه مقاطع من روايات جون لو كاريه الشهير برواياته عن الجاسوسية إبان الحرب الباردة.

اعتقال العديد من الصحفيين بهدف منعهم من فضح قضايا الفساد والرشوة التي تورط فيها العديد من وزراء أردوغان ونجله بلال

ويقول دوندار “في المساء الأول عندما اقتادونا إلى السجن سألونا بعد وصولنا عن سبب سجننا: هل هو إرهاب أم جريمة حق عام؟ أجبتهم بكل جدية: أنا جاسوس. ويضيف ساخرا “لكن لو أنهم سألوني لحساب أي بلد أعمل، لما عرفت بم أجيب”.

وتواصل “جمهورييت” نشر مقالات تنتقد الحكومة الإسلامية المحافظة على الرغم من سجن رئيس تحريرها ومن تعرضها لضغوط متنامية ليس أقلها إخضاعها للتفتيش المالي.

وخرجت الصحيفة الاثنين الماضي بعنوان “علاقات قذرة مع تنظيم الدولة الإسلامية على الحدود” ونشرت ما قالت إنه “النص الحرفي لمحادثة بين مسؤولين عسكريين وجهاديين ينسقون عبورهم إلى سوريا”.

ويقول طاهر أوزيورتسيفين الذي يتولى إدارة الصحيفة في غياب دوندار “نحن لا نفعل شيئا سوى القيام بعملنا وهو نقل معلومات إلى الجمهور عما يجري في بلادنا”.

ويزور أوزيورتسيفين، دوندار في السجن كل ثلاثاء ويتيح له ذلك الاطلاع على رأيه في التطورات. وعقد الصحفيون قبل فترة قليلة اجتماعا لهيئة التحرير أمام أبواب السجن.

ويقول أوزيورتسيفين “الاستمرار في قول الحقيقة هو معركة يومية نخوضها كل واحد منا”.

ويواجه دوندار عقوبة السجن لعدة سنوات في حال إدانته “بالتشهير” في حق الرئيس أردوغان بعد أن نشر مقابلة مع وكيل نيابة تولى التحقيق حول الفساد الذي استهدف أردوغان والمقربين منه في 2013.

جان دوندار: أنا جاسوس، لكن لو أنهم سألوني لحساب أي بلد أعمل لما عرفت الإجابة

وفي لقاء نادر مع الصحافة الأجنبية بداية ديسمبر، أكد رئيس الوزراء أحمد داودأوغلو أنه كان يفضل أن يبقى دوندار وغول حرين بانتظار محاكمتهما، لكن الأمر بيد القضاء.

ويجتمع مؤيدو ومناصرو دوندار وغول من الصحفيين والنواب والفنانين أمام السجن لأحياء سهرات تضامنا معهما.

والأسبوع الماضي قال فضل ساي عازف البيانو العالمي والمعارض الشرس للحكومة إن سجنهما “عار على تركيا”.

وأضاف أن جان دوندار “مثقف حقيقي وصحفي محترم وإنساني أصيل. للأسف، هذه الصفات لا تلقى تقديرا في بلادي” اليوم.

وطالت الاعتقالات التعسفية التي تنفذها حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا منذ عامين العالم الأكاديمي، حيث أقدمت القوات الأمنية صباح أول أمس السبت على توقيف الرئيس السابق لجامعة “18 مايو” الواقعة في تشانق قلعة غرب البلاد.

ونقل لاتشينار، الأكاديمي المعروف بتحليلاته العلمية والموضوعية المنشورة في مختلف الصحف، بما فيها الصحف الموالية للحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان وعلى رأسها صحيفة ستار، إلى مركز أمن المدينة، مع مجموعة من رجال أعمال، لأخذ إفاداتهم.

وذكرت صحيفة حرييت التركية أن قوات أردوغان في تشانق قلعة داهمت عددا كبيرا من المنازل والمحال التجارية وأوقفت 18 شخصا بينهم لاتشينار والرؤساء السابقون لجمعية رجال الأعمال والصناعيين، ومعلمون متقاعدون وأطباء ومحامون وطلاب.

ويواصل نظام أردوغان سياسات تكميم الأفواه وقمع كل من يعارضه في البلاد، حيث أوعز إلى القضاء التابع له في العاصمة التركية أنقرة قبل أشهر استصدار قرار بمصادرة مجموعة شركة “كوزا إيبك” الإعلامية وتعيين وصي على الشركة، إضافة إلى مداهمة صحف تركية مناوئة له واعتقال العديد من الصحفيين بهدف منعهم من فضح قضايا الفساد والرشوة التي تورط فيها العديد من وزراء أردوغان ونجله بلال.

وتوجه العواصم الأجنبية ومنظمات حقوق الإنسان والدفاع عن حرية التعبير انتقادات باستمرار للحكومة التركية بشأن ممارسة ضغوط متزايدة على وسائل الإعلام.

18