الصحافة والأدب

الخميس 2017/06/15

الكثير من السجالات الأدبية والصحافية تنتهي من دون أن تحقق نتائج أو معطيات أو وصايا من شأنها أن تدلل على أهمية سجال هذا أو ذاك، ومن بين الكثير مما نقرأه بصيغة السؤال أو الاستفهام أو الجدل العقيم:

هل الأدب يرفد الصحافة؟ أم الصحافة ترفد الأدب؟ وكيف يتم ذلك لو اقتنعنا بفرضية أن أحدهما يمد شريانه في الآخر؟ ومَن له قوة التأثير في الطرف الثالث وهو المتلقي؟ وهل الصحافة تمنح الأدب مشروعية الوصول إلى الآخر؟ أم أنّ الأدب يقوّي من صلة الصحافة ويجعلها أكثر نفاذاً ونفوذاً في التلقي؟

في مثل هذه الأسئلة نوع من التضليل ولا نقول الخطأ وفيها قصدية من سجال نراه غير ذي فائدة سوى إعادة التذكير بالأدوار الواضحة للأدب في إغناء الصحافة، فالأدب سابق لها بأنواعه المعروفة والصحافة هي نتاج حضاري متأخر جاءت بعد الثورة الصناعية في سلسلة إجرائية معروفة حتى وصلت إلى عصر الميديا وثورة الاتصالات الجبارة.

يتوجب هنا التأكيد على أن اللغة تلعب دوراً كبيراً في إغناء المتن الصّحافي وهوامشه ومن دون اللغة لا تستطيع الصحافة أن ترسخ حضورها الجماهيري في مختلف فضاءات التلقي. واللغة عامل حاسم في الخبر السياسي وتبويبه بإثارة أم بغيرها، كما لها قوتها في التحليل السياسي والفكرة الثقافية والرصد الرياضي وفي كل الشؤون الكتابية المختلفة، وهذا أمر يحيل إلى أهلية الدراسات الأكاديمية في شقيها الأدبي والصحافي، فما يفتقده الصحافي لا يفتقده الأديب القاص أو الروائي او الشاعر وإلا فالأمر نسبي في الأحوال كلها وهذه النسبية هي التي تجعل من الأديب أكثر حضوراً في ميدان الصحافة تحت لافتة اللغة ومشتقاتها الكثيرة وليس أقلها الخيال الذي يوطّد العلاقة بين الكتابة والتلقي.

المتناغمون مع هذا السجال كثيرون فبين الصحافة والأدب خيط رهيف اسمه اللغة، لكن الأهْلية بشكل عام لمن تمكن من هذه الأهْلية سواء بالدراسة الأكاديمية أم بالخبرة، والأخيرة هي جِراب الأديب والأولى حاضنة دراسية للصحافي ولا نريد أن نقول إنها عابرة فالصحافة دراسة أكاديمية إلى حد كبير لكن القليلين استفادوا من هذه الدراسة، وعلينا أن نتخيل الأعداد الكبيرة التي تتخرج سنوياً من كليات الإعلام العربية بوصفها الصحافي أو الإعلامي غير أنّ قلةً قليلة يمكن أن تعقد الصلة بين الدراسة والموهبة. فالدراسة ليست موهبة عكس الأدب الذي هو موهبة وليس دراسة وهو لغة وليس حسابات رياضية أو معادلات فلكية، واللغة ضبط وخيال وتأويل وفقه وقواعد ونحت لا يمتلكها الصحافي كثيراً والذي أنهى الكلية وهو لا يعرف غير الـ لماذا وكيف وأين ومتى… إلخ. وهذا ليس قصوراً منه إنما القصور في المناهج التدريسية التي أكل عليها الدهر وشرب، لذلك فإن الكثير من الأدباء وبممارسات بسيطة يمكنهم خوض الصحافة بنجاح من دون الحاجة إلى السنوات الدراسية المملة في كليات الإعلام التي تتشابه في تخريج الكثير من الأغبياء مع تقديرنا العالي للمواهب الحقيقية التي تصقلها إلى حد ما تلك الكليات البائسة.

أول نقيب للصحافيين العراقيين الشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري، وهو شاعر محترف للشعر ولم يتخرج من قناة صحافية لكنه أسس لصحافة وطنية ويمكن لذاكرة الأجيال أن تستعيد أسماء الأدباء الذين شغلوا مراكز ريادية في الصحافة العراقية والعربية، على أن هذا لا يبخس حق الضالعين في الصحافة من الصحافيين العراقيين والعرب المعروفين. ويمكن أن نعدد الكثير من الأسماء الأدبية العربية اللامعة التي أغنت الصحافة العربية وطورتها وجذبت المتلقي العام إلى ساحاتها.

نخلص إلى أن الموهبة هي الأساس، وبتقديراتنا أن الأديب هو الأكثر استيعاباً للصحافة والأكثر تمثلاً لها.

كاتب عراقي

14