الصحافة والحب

المساحات في الصحافة العربية لقضية الحب بوصفه ظاهرة عاطفية وإنسانية ووجدانية ليست كثيرة، بينما كرّست الصحافة الغربية مساحات واسعة لتغطية عيد الحب.
الثلاثاء 2020/02/18
الحب فرح الناس

ورود حمراء في كل مكان، مشرقا ومغربا والناس تتسابق لشراء باقات الورد أو حتى وردة واحدة.

كان ذلك في مساء لندني ماطر فيما العاصفة تدمدم في الآفاق منذرة بالريح والبرد والمطر.

مع ذلك كان هنالك عشّاق وحبيبات ينتظرون أو يسيرون تحت المطر ويتبادلون تلك الورود الحمراء.

في تلك اللحظة سوف ينشغل قسم من الميديا في مضاربنا الزاهرة في سجال متكرر معتاد خلاصته وهل أن ذلك الأمر كله حلال أم حرام أو أنه بدعة وتقليد للغرب؟

القصد هو ليلة الفالنتاين أو ما يعرف عيد الحب.

هذا السؤال يتكرر في كل عام، فلا الفالنتاين توقف ولا السؤال أجيب عنه، وإن توفر الجواب بالتحريم أو المنع لكن الناس بقيت تتذكر عيد الحب وتحتفي به.

في عيد حب سابق صادف أن كنت في بغداد وتعجبت من كثرة القلوب الحمراء التي هي في شكل بالونات تنتشر بكثافة محلقة أمام الدكاكين وفي أيدي الباعة المتجولين، فضلا عن كثرة الدمى على شكل دببة حمراء وأيقونات أخرى بكميات هائلة في أضخم استفتاء على الحب.

ساعتها لم يكن هنالك حب يذكر بل سمّه ما شئت. فساد حكومي وصراعات بين أحزاب لا يعرفون معنى المحبة ومشغولون بالكراهية ونزعة الانتقام.

في وسط كل هذا الصخب لو بحثت عن انعكاسات هذا الطقس الاجتماعي في الصحافة والميديا عامة لوجدت حقائق طريفة.

واقعيا ليست هنالك كثير من المساحات في الصحافة العربية لقضية الحب بوصفه ظاهرة عاطفية وإنسانية ووجدانية، بينما هنا كرّست مساحات واسعة لتغطية ذلك اليوم وتلك الليلة وبما في ذلك ما يعرف بصحافة النميمة وأخبار الحب والمحبين.

على الجهة الأخرى انشغلت البرامج الفكاهية الأميركية التي تحمل أسماء مقدميها اللامعين مثل تيم كوكو وجيمي كيميل وسيث مايرز وجون أوليفر وغيرهم بفقرات السخرية السياسية لمناسبة الفالنتاين كمثل تقليد صوت الرئيس الأميركي ترامب وهو يدعو سلفه أوباما إلى العشاء لتنقية القلوب لمناسبة عيد الحب بينما تتطور المكالمة بينهما إلى حوارات هزلية تتعدى الفالنتاين.

صحافة الحب المفقودة في بلداننا العربية بحاجة إلى وقفة، فمن جهة هنالك حقيقة تعيشها الأجيال المختلفة وهي مشاعر الحب وهي قائمة ولكنْ مسكوت عنها، لا موقف ولا تعليق وتبقى الناس تكبت تلك المشاعر أو تتشوه في داخلها.

من جهة أخرى لو افترضنا أننا لا نجد اتفاقا على عيد الفالنتاين لتعطيه الصحافة والميديا عموما ما يستحقه، وعلى فرض أنها بدعة غربية، فلماذا لا يتم الاتفاق على عيد حب محلي تهتم به الصحافة والميديا وتنشغل فيه الناس في إشاعة المحبة.

هنالك أحداث مهمة في التاريخ العربي مثلا يمكن اختيار إحداها الأكثر تعبيرا عن الحب ليكون عيدا للحب، لكن هنالك بالطبع تيار المتشائمين ممن سيردون فورا. وهل يوجد في تاريخنا ما هو مشرق ويغذي مشاعر الحب.

الصحافة البريطانية لم تبق زاوية تتعلق بعيد الحب لم تقم بإضاءتها، ماذا يفعل المشاهير في تلك الليلة، جولات في الشوارع ولقاءات مع الناس ومع باعة الورد والهدايا، استضافة خبراء نفس وخبراء اجتماع للتعليق، السخرية من السياسيين وخاصة ما بين الحزب الحاكم والمعارضة وكيف يعبّرون عن الحب بطريقة ساخرة.

وبعد كل هذا، ونحن نعيش اضطرابا كونيا من علاماته الفوضى المناخية وتفشّي وباء كورونا، فضلا عن الصراعات سيظهر هنالك من سيعترض فيقول لك فلننشغل بما هو أهم من شؤون وقضايا سياسية وصراعات وما إلى ذلك، لكن واقعيّا لكل قضية وضعها وزمنها وأهميتها ومساحتها فلا تعارض بين إفشاء فكرة الحب والتعبير عنها والحديث فيها وإفراد مساحات صحافية وافية عنها وبين أيّ قضايا وتحديات أخرى وقد أفلح من أشاع الحب وحض عليه في كل زمان ومكان.

18