الصحافة والقصة علاقة وثيقة وشرط وجودي

الخميس 2014/05/01
الصحافة وصلت بالحكاية إلى شكلها النهائي وحولتها إلى قصة

لكل من القصة القصيرة والصحافة تاريخها الخاص وآلياتها وجمالياتها النوعية. وهما ممارستان مستقلتان عن بعضهما من حيث المنطلقات والمقاصد. غير أن محاولة إعادة ترسيم حدودهما من شأنه أن ينتصر إلى ما يجمع بينهما جمعا بلا انفصام، سيما وأن الصحافة قد تبدو، والحال هذه، أكثر من مجرد حاضنة ساقتها مصادفات سوسيوتاريخية كي تغذي القصة القصيرة وتشيعَها بين القراء شيوعا. إلا أن الصحافة، بدورها، وبكل أنواعها (الورقية والأثيرية والضوئية) لم تكن قط مجرد حامل تتكئ عليه الحكاية كي تستقيم قصة قصيرة، وإنما هذه شرط وجودي لتلك. وليس في هذا القول ما يخدش الحقيقة، حتى أن الميلاد الفعلي للقصة لا يمكن تخيله من دون تخيل عالم الصحافة، فالقصة قبل القرن الثامن عشر بأوروبا وقبل أواخر القرن الماضي في عالمنا العربي، ظلت حكايات ليس إلا، مرويات تبحث لها عن تشكل ملموس يمنحها صفتها المتحققة الآن، مادامت الصيغة المكتوبة هي ما يقتضي- فضلا عن متطلبات أخرى- الانتقال من الحكاية إلى القصة، من عماء الشفهية إلى محدد مكتوب.

وكانت الصحافة، بظننا، جزءا معتبرا من ذلك التشكل والتحدد. ولئن كانت المشافهة اشتغالا يسمح للحكاية بأن تروى وفق صيغ لا تنتهي فإن الصحافة، بكل تلويناتها، قيدت الحكاية إلى الكتابة، وبالتالي إلى صيغة قصوى نهائية، وباختصار صيّرتها قصة.

لا نبغي، هنا، نفي كينونة القصة قبل التقائها بالصحافة، لكننا، بالمقابل، نود التأكيد على أن الأخيرة منحت القصة تحققا فعليا ينأى بها عن الكمون الحيي والذيوع الخجول. لذا فمراجع القصة وتاريخها يوجدان بين ثنايا الصحف أكثر مما يوجدان في المجاميع المنشورة، إذ لا تمثل هذه الأخيرة سوى “أيسبيرغ” مجرة اسمها القصة القصيرة. مجرة مطمورة في أرشيف الصحافة.. والقول بالتلازم بين الصحافة والقصة، على وجاهته، يحتاج إلى منطق ينزه علاقتهما الوثقى من الغرض، ويصون كبرياءهما المشترك، بحيث لا تكون الواحدة منهما، فقط، مدينة للأخرى ولا ينبغي لها أن تكون. فكلتاهما الشارطة المشروطة.الآخذة العاطية. وكلتاهما الوجه الثاني للعملة. لنقل الوجه الأول، لمَ لا؟

لم يكن ظهور الصحافة حدثا عاديا في تاريخ المؤسسة الأدبية، كما لم تكن مؤسسة الأدب محض متفرجة على هذا الحدث.. من ثم لم تكن إحدى المؤسستين – مؤسسة الأدب ومؤسسة الصحافة- طارئة في حياة الأخرى، ولأن القصة هي البنتُ الدلول لمؤسسة الأدب فقد ساعدها شكلها ومحتواها لتنال رضى الصحافة وتملأ عينها.

الصحفيون الأكثر تأثيرا في قراء الجرائد والمجلات هم القاصون أنفسهم

وما إن التقتا حتى تقرر أن تظلا ملتحمتين كما في زواج كنسي. خاصة وأن كلتيهما كانتا تبغيان التخلص من مآزقهما. فالصحافة، على يفاعتها، باتت تعاني من غنائية مفتعلة ظل يفرضها عليها شعر منظوم يكاد يخلو في غالبيته من شاعرية حق. خاصة وأن دولة الشعر ما انفكت تدول مع الأيام وفصاحتها المتكلفة لم تعد تساير ذوائق المتلقين الجدد، ولعل الأنسب لنثرية العصر هو تلك اللغة المحكية، العارية من بهارج البلاغة القديمة التي تؤسس لها لغة القصة، علما بأن قراء الصحافة ما عادوا كلهم من مرتادي الصالونات المغلقة وإنما هم من عموم الناس، وبالتالي لهم عوائدهم ولغاتهم.. وتكاد لغة القصة تقترب من ألسنتهم. لقد كانت الصحافة تبحث عما ينقذها من ابتذال شعري، وفي المقابل كانت القصة تتوق إلى تحقق وانتشار…من هنا كانت البداية ومن هنا تطورت المسارات. وكما احتاجت الصحافة إلى القصة في تصريف الخبر والمعلومة والموعظة كانت القصة قادرة على التكيف مع مستلزمات التطور الصحفي، ابتداء من القصص المسلسلة إلى القصص القصيرة، فالقصص القصيرة جدا. هذا على صعيد الصحافة الورقية، أما على صعيد الإبدالات الصحفية الجديدة فقد نجحت القصة في استقطاب الآذان عبر المحطات الإذاعية وتحريض القراءات التجريبية في النصوص الإلكترونية التشعبية.

وبما أن مَهمة الصحفي هي قص الخبر وتسريد اليومي وإعادة صوغ الوقائع وفق منطق حكائي، فإنه قد وجد في القصة الأدوات المساعدة له كي يبني مقالاته وفق منطق قصصي، حتى أن بعض الزوايا والأركان والمقالات كانت، في صوغها، أشبه بالقصص، ولربما كان الصحفيون الأكثر تأثيرا في قراء الجرائد والمجلات، وما يزالون- هم القاصون أنفسهم، لا من حيث قصصهم المنشورة في الصحف وحسب، وإنما كذلك من خلال طرائقهم في تحبيك المقالات وهندسة الموتيفات في ثنايا ما يكتبون. صحيح أن الصحافة والأدب مختلفان.

مراجع القصة وتاريخها يوجدان بين ثنايا الصحف أكثر مما يوجدان في المجاميع المنشورة

فالصحافة هي “أدب على عجل” كما قال ماثيو أرنولد، بينما الأدب هو التوق إلى قول يتخذ شكلا منتهيا عبر الأزمنة. لا غرو في أن الصحافة، في نشأتها الأولى، قد قامت على أكتاف أدباء، ومنهم قاصون كبار، في الشرق كما في الغرب، تولوا الكتابة ورئاسة التحرير، وبصموا بأساليبهم تاريخ الصحافة كما وشموا ذاكرة الأدب، قبل أن تفترق السبل بين الأدباء والصحفيين شيئا فشيئا ليتخلى الأوائل للأواخر عن الريادة وتدبير الشأن الصحفي، ما خلا استثناءات قليلة ظلت تزاوج بين الصحافة والأدب، أي أنها تمارس الصحافة بلمسة من أدب وتكتب الأدب وفق متطلبات الصحافة، تارة تقرب قراء الجرائد من دنيا الأدب وطورا تجعل الأدب طبقا صحفيا سائغا للعموم، مع ما في تدبير هذا الإكراه من مد وجزر، إذ بقدر ما يستنزف النفس الأدبي يغني النفس الصحفي. تلك ضريبة مفروضة على القاص المشتغل بالصحافة كما هي ضريبة الصحفي المهووس بالقصة.

18