الصحافيون أول الخاسرين من تصفيات الحسابات السياسية في لبنان

وجد العاملون في مجموعة المستقبل الإعلامية أنفسهم أمام أزمة مالية خانقة بعد أكثر من عام على عدم تسديد مستحقاتهم المالية، تصاعدت مع عدم مقدرتهم على تنفيذ إضراب كانوا قد لوحوا بتنفيذه خوفا من نتائج سلبية تنعكس عليهم، فيما تحاول وسائل الإعلام اللبنانية المنافسة تسجيل مكاسب سياسية على حساب مشاكلهم.
الاثنين 2016/07/11
معاناة موظفي المستقبل لن تنتهي بنصف راتب

بيروت- تراجع موظفو تلفزيون “المستقبل” اللبناني عن الإضراب المفتوح الذي لوحوا بتنفيذه احتجاجا على أوضاعهم المادية المتردية بعد نحو عشرة أشهر من عدم دفع رواتبهم، في أزمة تلقفتها وسائل الإعلام اللبنانية المنافسة، وحولتها إلى مادة سياسية بالدرجة الأولى، وسط امتعاض العاملين في المجموعة الإعلامية التابعة لرئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، من إقحامهم في القضايا الشائكة، بينما تتجلى مطالبهم في إيجاد حلول لأزمتهم المالية.

ونشرت الإعلامية في قناة المستقبل رشا الخطيب تعليقا على حسابها الخاص في تويتر، قالت فيه “سؤال فقط: هل يوجد أحد يريد الحديث عن سعد الحريري أو انتقاده؟ الجميع أصبحوا حريصين علينا لأننا لم نتقاض رواتبنا، وفي السر هم شامتون، والبعض الآخر اعتبر المس بالدِّين شيئا عاديا وديمقراطيا، لا … الحرية شيء وأنك تمس بأي ديانة كانت شيء ثان… يا ليت كل واحد يرى عمله، وانصرفوا عن سعد الحريري وعنا نحن الموظفين”.

وتخطت الأزمة المالية لمجموعة “المستقبل” الإعلاميّة عامها الأوّل، ومازال العاملون في قناة “المستقبل” وإذاعة “الشرق” وجريدة “المستقبل” بلا رواتب. وتصاعد التوتر بين العاملين وإدارة المجموعة في الأيام الأخيرة مع تلويح عدد من الموظّفين بالإضراب ابتداء من الخميس ثاني أيام عيد الفطر. وذكر مصدر داخل تلفزيون المستقبل رفض الكشف عن اسمه، أن تراجُع العاملين عن تنفيذ إضرابهم، جاء بعد جلسة جمعت مجموعة من العاملين من مختلف الأقسام مع المدير العام للقناة رمزي الجبيلي الخميس الماضي، فنصحهم بعدم اللجوء إلى أساليب الضغط على صاحب المجموعة الإعلامية رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، لأن مثل هذه الخطوات لن تؤدي إلى حلّ.

وذكرت مصادر أخرى أن الجبيلي وجّه تهديدا مبطّنا إلى الحاضرين، مفاده أن العصيان الوظيفي سيرتد سلبا على من يقومون به. وفي حال تم الإضراب، تتوقف برامج إذاعة “الشرق” التابعة للمجموعة، وموقع القناة الإخباريّ، كما يتوقف نتيجة الإضراب برنامج “أخبار الصباح”، وعدد من المراسلين عن العمل، بينما يتم الحديث عن توجه الإدارة إلى تقليص عدد البرامج في القناة إلى الحد الأدنى والاعتماد على إعادة بث البرامج المسجلة والمسلسلات والأغاني، حتى التوصل إلى حل يمكنه إنقاذ قناة المستقبل وراديو الشرق.

وذكرت صحف لبنانية أن الموظفين هددوا أولا بالإضراب، ابتداء من اليوم الأول لعيد الفطر، إذا لم يتقاضوا ثلاثة رواتب في الثلاثين من يونيو، فكان ردّ الجبيلي “بإمكانكم التوقف منذ الغد”، شارحا أن الإدارة تدرك معاناة موظّفيها، لكنّها تأمل في أن يصبروا، في انتظار“فرج قريب”. وبعد ثلاثة أيام من اللقاء دفعت إدارة “المستقبل” نصف راتب للموظّفين في التلفزيون والإذاعة. إثر ذلك، قرّر عدد من الموظّفين تنفيذ الإضراب عن العمل في تلفزيون المستقبل.

وعبر عدد من العاملين في المجموعة الإعلامية عن معاناتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووجهت جوانا ناصر الدين الموظفة في قسم الأخبار في قناة المستقبل رسالة مفتوحة إلى الرئيس سعد الحريري عبر صفحتها في فيسبوك جاء فيها “ترددت كثيرا قبل أن أخط هذه السطور لكني وجدت نفسي وزملائي يا دولة الرئيس غارقين في مستنقع الذل القاسي والنفوس المكسورة والكرامات التي تلامس التراب كل يوم. ترددت كثيرا لكن سنة ونصف السنة كثيرة كثيرة كثيرة علينا أن نحمل ثقلها الذي كسر ظهورنا وتسعة أشهر من دون رواتب انتهت بعيدية الفضيحة ‘نصف راتب’ قبل عيد الفطر وكأننا نصف بشر نعمل بنصف يد ونصف لسان وأنصاف مايكروفون”. وختمت ناصر الدين رسالتها بتوقيع “جوانا ناصر الدين، 13 سنة من العمل والوفاء لتلفزيون المستقبل”.

وذكرت مصادر مطلعة أن المسؤولين في القناة يحاولون إيجاد آلية لهيكلة المؤسسات الإعلاميّة مع صرف مبالغ مالية لمجموعة من الموظّفين. وقد تشمل الخطّة الجديدة إعادة النظر في استمرار بعض المؤسسات ومنها صحيفة المستقبل، والموقع الإلكتروني لـ”تيار المستقبل”، مع إعطاء الأولويّة للتلفزيون والإذاعة لمكانتهما لدى الرئيس الراحل رفيق الحريري.

وتمر معظم المؤسسات الإعلاميّة اللبنانية بفترة حرجة؛ بسبب أزمات ماليّة واقتصادية خانقة، حيث أعلنت صحيفتا النهار والسفير منذ عدة أشهر عن إغلاقهما وتسريح موظفيهما؛ بسبب مشاكل مالية، لتعودا وتؤجلا هذا القرار إلى إشعار آخر. ويؤكد اختصاصيون وصحافيون أن أزمة الصحافة في لبنان مردها خصوصا الجمود السياسي وتراجع التمويل الداخلي والعربي.

وتنقسم وسائل الإعلام اللبنانية إجمالا حاليا، كما الخارطة السياسية، بين مؤيدة لقوى 14 آذار ومن أبرز مكوناتها تيار المستقبل بزعامة الحريري، وقوى 8 آذار وأبرز مكوناتها حزب الله. وأوضح أحمد زين الدين الأستاذ في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية أن “الصحافة العربية عموما واللبنانية تحديدا ليست صحافة جمهور ولكنها صحافة تمويل، تقوم على التمويل الذي يأتي من جهات سياسية أو اقتصادية ودول أخرى”. ولا يقتصر الأمر على الصحف، إذ طردت محطتا “ال بي سي آي” و”الجديد” التلفزيونيتان في العام 2015 عددا كبيرا من الموظفين.

ويرى عميد كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية جورج صدقة أن أحد أهم أسباب أزمة الصحافة اليوم يكمن في “تراجع المال السياسي والدعم من الأنظمة العربية اللذين كانا يمولان قسما كبيرا من الإعلام اللبناني”. وعلى مر تاريخه الحديث، حولت مساحة الحريات في لبنان الإعلام اللبناني إلى أداة للصراعات الإقليمية. ودفع صحافيون حياتهم ثمن هذه الحرية، منهم جبران تويني وسمير قصير. وأضاف صدقة “فقد الإعلام اللبناني تأثيره وتراجعت سلطته، ما يعني تراجع الفائدة منه بالنسبة إلى الأنظمة العربية التي كانت تموله”، فهي لم تعد بحاجة إلى وسيلة لبنانية لتمرير رسائلها بل تعمد مباشرة إلى تمويل وسائل خاصة بها.

18