الصحافيون الجزائريون يدفعون ثمن سوء التنظيم الحكومي

يفتقد الصحافيون في الجزائر إلى القوانين التي تضمن حقوقهم، وسبل العيش الكريم، مع تدني الأجور، وفرض مالكي وسائل الإعلام لشروطهم على العاملين، وغياب المنظمات الحكومية والحقوقية المسؤولة عن تنظيم المهنة. وفي ظل الأزمة المالية للصحف تصاعدت معاناة الصحافيين وواجه المئات منهم الفصل من العمل.
الثلاثاء 2016/03/01
الأزمة تهوي بالصحف والصحافيين على حد سواء

الجزائر- دفع الصحافيون الجزائريون ثمن تردي أوضاع الصحف المطبوعة، واضطرار بعضها للإغلاق تحت ذرائع مختلفة، دون أن تتحمل أي جهة أو منظمة رسمية تبعات فقدان العاملين في قطاع الصحافة لعملهم.

وكشف الناطق باسم “مبادرة كرامة الصحافي”، الإعلامي رياض بوخدشة، في تصريح لـ “العرب”، أن الهيئة تستقبل يوميا شكاوى متنوعة من الصحافيين والمراسلين المحليين.

وأضاف أن الصحافة الجزائرية فقدت خمس صحف على الأقل خلال السنة الماضية، مما تسبب في فقدان 150 وظيفة عمل، وهذا ما يشكل مصدر قلق للهيئة من استراتيجية عمل الوزارة الوصية، التي تفرض ضغوطا مالية لغلق الصحف الخاصة دون التفكير في مستقبل الصحافيين والعمال.

ودعا المتحدث، وزارة الاتصال إلى ضبط القطاع، ومنح نفس الفرص للمؤسسات الإعلامية الناشئة، فبدل غلق المؤسسات المنهارة بسبب الفشل في التسيير، عليها تمكين الصحافيين من تأسيس شركات تحرير وفق ما ينص عليه القانون العضوي المتعلق بالإعلام واسترجاع هذه المؤسسات، إلى جانب دعم مؤسسات القطاع العام، حتى تستطيع استقطاب المسرحين من القطاع الخاص.

ووقع إطلاق الهيئة بمبادرة من صحافيين ناشطين العام 2011، من أجل التكفل بمشاكل العاملين في القطاع، ولم يتم إلى حد الآن تحديد هويتها، إن كانت جمعية مهنية أو نقابة مستقلة، حيث لم تحصل على الاعتماد الرسمي من طرف الوزارة الوصية، وظلت هيئة معنوية تتكفل برصد انشغالات منتسبي القطاع، واقتراح الحلول على الجهات الوصية.

وفي بيان أصدرته المبادرة مؤخرا بالتزامن مع المخاطر التي باتت تهدد الصحف الخاصة في الجزائر، نتيجة الأزمة المالية التي تعصف بها منذ مطلع العام الجاري، انتقدت الهيئة بشدة توجه العشرات من العناوين إلى غلق أبوابها، وتسريح المئات من الصحافيين والموظفين، بدعوى الضائقة المالية، وأشارت بأصابع الاتهام إلى سوء تسيير المالكين للأموال التي كانت تضخ فيها من الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، وإلى وزارة الاتصال التي لم تراقب وجهة تلك الأموال، وعدم الاكتراث لمصير الصحافيين والموظفين.

وقال الناطق باسم المبادرة في تصريحه لـ “العرب”، إن المشهد الإعلامي في البلاد، يعيش وضعا مأساويا، وعزا ذلك لما أسماه بـ “الفوضى التي أدارته منذ فجر التعددية الإعلامية، فلا يوجد قانون واحد واضح ومعلوم، تستند إليه الممارسة الإعلامية، فكل ما في الأمر أن الصحافة ظلت مصدرا للثراء والانتفاع من ميزانية الدولة المخصصة للإعلانات العمومية، وبالتالي فكل فعل يرمي إلى تنظيم المهنة، يواجه بالرفض ويجهض في بدايته من طرف المنتفعين من الوضع”.

رياض بوخدشة: كل فعل يرمي إلى تنظيم المهنة يواجه بالرفض من المنتفعين بالوضع

وأعرب البيان عن قلق الهيئة الشديد مما أسماه بـ” تعرض الصحافيين والتقنيين والعمال، خاصة المنتسبين منهم للقطاع الخاص، لمضايقات خطيرة، تحولت منذ سنة إلى مساس بكرامة الإنسان، نتيجة سياسة خاطئة منتهجة في عملية إصلاح المنظومة الإعلامية المحكومة بالفوضى والارتجال منذ بداية التعددية الإعلامية”.

وأضاف، “بينما كانت الآمال معلقة على القانون المتعلق بالإعلام الصادر في 2012، لضمان الحماية الاجتماعية للصحافيين وعمال القطاع، فإذا بالوضع يزداد تدهورا وخطورة بلغت حد التفقير والتشريد بسبب ضعف الأجور، والضغوط المختلفة المؤدية إلى غلق المؤسسات الإعلامية، وما ينجر عن ذلك من فقدان للمئات من مناصب العمل”.

وأكدت الهيئة في بيانها ما يتداول في الساحة الإعلامية المحلية، عن نوايا السلطة للتخلص من 50 عنوانا إعلاميا، عبر ما عبر عنه البيان بالقول “منذ سنة بدأ الحديث عن نية مبيتة لغلق ما بين (40 و50) مؤسسة إعلامية معظمها جرائد يومية صادرة في مختلف جهات البلاد، بدعوى عدم قدرة الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، على إمداد الكم الهائل من العناوين الإعلامية بالإعلانات العمومية، مصدر تمويلها الرئيسي”.

وألمحت المبادرة إلى فساد وسوء تسيير في عائدات الإعلان الحكومي، عبر إشارتها إلى غياب الرقابة الحكومية على سبل إنفاق تلك العائدات، واكتفاء المالكين بتوجيه ثلاثة بالمئة منها كأجور للصحافيين والموظفين وصفتها بـ”الهزيلة” و”الماسة بكرامة الصحافي”. وقال بيان الهيئة “أمام ضغوط التمويل وشح الإعلان توقفت لحد الآن خمسة عناوين مختلفة، البعض منها استفاد من عائدات “إشهار” ضخمة مثل جريدة “الأحداث” اليومية والتي استفادت منذ تأسيسها العام 2002، من دعم الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، وعاشت أيام عز في الفترة ما بين 2003 إلى 2007، قبل أن تدخل مرحلة التراجع والانهيار، ثم إعلان توقفها المفاجئ في فبراير الماضي، ليجد 33 صحافيا وعاملا، وأكثر من 15 مراسلا أنفسهم دون عمل بعد سنوات عمل مقابل أجور زهيدة”.

واعتبرت مبادرة كرامة الصحافي، تسويق وزارة الاتصال للمهنية والاحترافية والتفرغ لإصدار بطاقة “الصحافي المحترف”، استفزازا حقيقيا لعموم مهنيي الصحافة، لأنهم يعيشون إحباطا ويأسا كبيرين جدا، وأنه رغم الظروف الاجتماعية والمهنية المأساوية التي تفرض عليهم، لم تفتح وزارة الاتصال منذ نحو سنتين أي لقاءات للحوار والتشاور مع أهل المهنة.

وأعابت الهيئة على السلطات الوصية، التمييز المفضوح بين منتسبي القطاع الحكومي والقطاع الخاص، بعدما استفاد الأول من زيادات في الأجور والمنح، بينما حرم الثاني من أي مزايا، الأمر الذي وصفته بـ”التمييز بين أبناء المهنة الواحدة في الوطن الواحد” وأدرجته في خانة “اختراق صفوف الصحافيين وضرب وحدتهم”.

ورفعت الهيئة جملة من المطالب إلى السلطات العليا في البلاد، ودعتها إلى احترام نصوص وروح الدستور، ومنح المؤسسات الإعلامية الناشئة نفس حظوظ الدعم المقدم من طرف الدولة، وفقا لمقاييس التنافسية النزيهة والقانونية.

18