الصحافيون عاجزون عن تأكيد صحة ما نقلوه عن سوريا

ظلت تغطية الأحداث في سوريا تتضمن دائما قدرا من الرقابة الذاتية بالنسبة إلى الصحافيين، فعليهم التصرف بحذر شديد من أجل المحافظة على توازن التغطية، وبما أنه لا يمكنهم رؤية الأحداث بأنفسهم، فهم غير متيقنين من حقيقة ما يجري.
الخميس 2017/04/27
ما سببته الحرب لا يمكن إنكاره

بيروت - شككت صحافية ومديرة تحرير موقع ‘سيريا ديبلي’ بقدرة المراسلين على كشف الوضع الإخباري الملتبس القائم في تغطية الحرب المتواصلة في سوريا.

وقالت أليساندريا ماسي في تقرير بموقع لجنة حماية الصحافيين إن إيراد الاحتمالات في التقارير الإخبارية بشأن المعارك والهجمات الجوية يقلل من أهميتها ومصداقيتها، لأن أغلب المراسلين يفتقرون للموارد وعدم الفهم الشامل للوضع في سوريا، وليس لأنهم يتقاعسون عن مهامهم.

وأوضحت ماسي الصحافية الممنوعة من دخول سوريا “بوصفي صحافية ومديرة تحرير لموقع ‘سيريا ديبلي’، أدركت أن الامتناع عن إيراد نظرياتنا في تغطيتنا الصحافية والاكتفاء بنشر التصريحات المشكوك بصحتها يحقق أمرين اثنين: إبلاغ القراء بحدوث الغارة الجوية، وعدم

ترك أي مجال لاتهامنا بالتحيّز بوصفنا وسيلة إعلامية. فقد أوردنا بيانات جميع الأطراف”.

وتتلخص تعقيدات التغطية الإعلامية في سوريا في أن معظم الصحافيين الأجانب الذين يغطون الأحداث يؤدون عملهم من خارج البلد. إذ ينطوي دخول البلد بصفة غير مشروعة على خطورة شديدة.

وحتى أولئك الذين يخاطرون بالدخول يجدون صعوبة في العثور على وسائل إعلام تقبل بنشر عملهم؛ فالعديد من وسائل الإعلام تحظر قبول تقارير الصحافيين المستقلين بسبب المخاطر الشديدة التي يواجهونها.

ومع هذه الحقيقة ظلت تغطية سوريا تتضمن دائما قدرا معينا من الرقابة الذاتية بالنسبة إلى الصحافيين، إما لأسباب أمنية إذ يتم دائما تغيير أسماء الأشخاص المعنيين، وإما لأسباب أخلاقية كحذف صور القتلى، ولكن السبب الأبرز الذي دفع الصحافيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية هو الحفاظ على عدم الانحياز.

أليساندريا ماسي: الجميع يكذبون علينا بشأن سوريا إلا أن الحرب حقيقية وليس بوسعنا الاستسلام

فعليهم التصرف بحذر شديد من أجل المحافظة على توازن التغطية، بما أنه لا يمكنهم الذهاب إلى سوريا لرؤية الأحداث بأنفسهم، فهم مضطرون للاعتماد على ما تقوله مصادرهم داخل البلاد.

وتشير ماسي إلى أن هذه المعضلة تحولت إلى هاجس بالنسبة إليها، وقالت “ثمة كابوس يعاودني دائما حول سوريا. إذ أجد نفسي أستيقظ في يوم ما، بعد انتهاء الحرب، وأجد أن جميع المعلومات التي أوردناها بوصفها حقائق- جميع المعلومات التي اعتقدنا أنها حقيقية- لم تكن صحيحة في واقع الأمر”.

وهذه الفكرة، من دون شك، غير واقعية. فحقيقة خسائر الحرب المادية والبشرية والكارثة الإنسانية لا يمكن إنكارها، فالحرب تتسبب بأضرار هائلة.

وتابعت ماسي “لم أشاهد هذه الأضرار بنفسي، ولا يوجد سوى عدد قليل من الأشخاص ممن أثق بهم كي يكونوا عيونا لي في الميدان، إذ أنه بعد ست سنوات من القتال بات عدد الأشخاص غير المناصرين لطرف من الأطراف يشكل نسبة ضئيلة من سكان سوريا. وغالبا ما تكون البيانات الحكومية مضللة على نحو صارخ، كما أن الخشية من انتقام الحكومة أو الجهات الفاعلة من غير الدول تدفع المدنيين والناشطين إلى تحوير الحقيقة وأحيانا طمسها تماما”.

وتصعب على صحافيين يغطون النزاع من خارج البلد معرفة ما يحدث بالفعل، لذلك يمارسون الرقابة الذاتية أو يوفرون تدريجيا منبرا لأشخاص يقدمون سرديات قد تكون بعيدة عن الواقع أو كاذبة تماما.

وقد اعتاد السياسيون على الكذب، وكان على الصحافيين دائما أن يتحرّوا من تصريحات السياسيين ويقارنوها مع الأدلة المتوفرة لبيان صحتها أو كذبها، ولكن في سوريا نجد أنه حتى الأدلة تُقدَم على نحو يتأثر بالدوافع الذاتية، كما أن سعي الصحافي للحصول على روايات شهود العيان قد يعني تعرضه للسجن أو الموت.

وأشار الصحافي باتريك كوبورن إلى إشكالية تغطية الحرب السورية في كتابه ‘عصر الجهاد’، الذي قال فيه “لقد كانت التغطية الإعلامية مليئة باليقينيات التي تلاشت أمام الواقع الفعلي. ففي سوريا، وأكثر من أي مكان آخر، ما من معلومات تتمتع بأي قيمة سوى إفادات شهود العيان”.

وهذا الأمر هو أكثر ما يقلق ماسي، وأفادت “رأيت الآلاف من الصور ومقاطع الفيديو والتقارير. وتحدثت إلى العشرات من الأشخاص الموجودين داخل سوريا، وأجريت اتصالات عبر سكايب مع ناشطين وسجناء وضحايا، وذهبت إلى مؤتمرات. والتقيت مع جماعات مناصرة وتتبّعت عمل منظمات الإغاثة الإنسانية. وكنت شاهدة ثانوية على الحرب وعملت على تغطيتها بصفة حثيثة، ورغم ذلك لم تطأ قدماي التراب السوري أبدا. وقد تسبب لي الاعتراف بهذا الواقع بقلق شديد من أن أوصف بالتدليس، ولكن هذا هو الواقع، كما هو واقع العديد من الصحافيين الدوليين الذين يغطون الحرب. وكنتيجة مباشرة لذلك، أصبحت التغطية الصحافية مقيدة، وغالبا ما تقتصر على روايات غير مباشرة للأحداث”.

ويوجد حاليا العشرات من الصحافيين السوريين في داخل البلد يخاطرون بحياتهم لتغطية الأخبار. ومع ذلك، فإن قدرة

معظم الصحافيين السوريين على التحرك تقتصر على المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة أو تلك الخاضعة لسيطرة الحكومة، وليس بوسعهم عبور خطوط القتال للقيام بعملهم.

وتلخص ماسي معاناتها في نقل الأحداث في سوريا، بالقول “ثمة أيام يغمرنا فيها الإحباط ونود لو نستسلم، ونتحسر قائلين ‘الجميع يكذبون علينا بشأن سوريا!’ ومع ذلك فليس بوسعنا الاستسلام. فقد يكون الجميع كاذبين، إلا أن الحرب حقيقية. وقد لا نحصل على تأشيرات سفر إلى سوريا، وحتى لو حصلنا عليها فإن تقييم المخاطر لرحلتنا إلى سوريا قد يدفع نحو الإحجام عنها.

وقد تظل مساعينا بالكشف عن الحقيقة تُواجَه بتهديدات واتهامات بالتحيز. وطالما ظل في سوريا أناس يريدون إبلاغ العالم بقصصهم، سنظل نحاول لأن نجد طريقة لإيصال أصواتهم، ولكن بالنسبة إلى معظمنا نحن الصحافيون، فإن منعنا من مشاهدة الأحداث أو عدم قدرتنا على مشاهدتها يعني أن الحذر والحيطة اللذين نتوخاهما ورغبتنا بالمحافظة على الحياد تصبح بحد ذاتها نوعا من الرقابة”.

18