الصحافيون في باطن العمارة

لن يجد الصحافي أيّة أجوبة جاهزة لأسئلته من طرف الحكومة العراقية التي يغلب عليها الصمت المطبق ورئيسها قليل الكلام.
الثلاثاء 2019/11/05
صحافيو الوكالات استوطنوا مع حشد من الشباب في باطن عمارة "جبل أحد"

ترى ما الذي يربط الصحافيين بالأحداث الكبرى، ولِمَ يجدون ضالّتهم فيها؟

يلملمون لوازمهم على عجل ويلتحقون بالعاصفة التي ضربت هنا أو هناك وما أكثر العواصف التي تضرب عالمنا اليوم من صراعات وحروب ومظاهرات واعتصامات وغيرها.

هذا المهرجان العجيب الذي تعرض المجتمعات خلاله إرادتها دفع جيلا من الصحافيين إلى تبني ما يعرف بالمعايشة الصادقة للأحداث ومتابعتها وهي تتطور لحظة بلحظة وساعة بعد ساعة.

وقع ذلك إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وفي أثناء حرب الخليج الأولى والثانية وصولا إلى ما يعيشه العراق اليوم من انتفاضة أو حراك في شكل مظاهرات عارمة وغير مسبوقة.

هنا سوف نعود إلى مهمة الصحافي في تتبع تلك الولادة التلقائية لانتفاضة يغلب عليها الشاب المحبط والمحطم.

يشعر الصحافي ومن خلال العديد من القصص الصحافية التي نشرت عمّا يعرف بانتفاضة أكتوبر العراقية الباسلة، أنه أمام سلسلة لا تنتهي من القصص الصحافية عن طموح حزين لشباب ثائر

المظاهرات والاعتصامات تضرب العراق طولا وعرضا ما عدا مناطق الأكراد، ولهذا بإمكانك قراءة المشهد أينما كنت وفي أية ساحة من الساحات.

في موازاة ذلك، لن يجد الصحافي أية أجوبة جاهزة لأسئلته من طرف الحكومة العراقية، فالحكومة يغلب عليها الصمت المطبق ورئيسها أيضا قليل الكلام لكن يؤخذ عليه الإسهاب والإطناب في خطاباته المكتوبة والتي يقرأها بين الحين والآخر.

فمن أين يستقي الصحافي قصصه من هذا الحراك الشعبي الواسع؟

سكن المنتفضون عمارة مهجورة صار اسمها جبل أحُد للإشارة إلى معركة المسلمين الشهيرة واعتصامهم بالجبل.

هنا تنتظم الحياة بطريقة مختلفة وهنا على الصحافي أن يتسلق السلالم الضيقة لتلك العمارة وصولا إلى الطبقات العليا التي يلوذ بها المنتفضون وهو ما فعله عدد من صحافيي الوكالات واستوطنوا مع حشد من الشباب في باطن تلك العمارة.

يصف تقرير صحافي كيف منح أولئك الشباب روحا لبناية كانت بالأمس مهجورة لسنوات ولم تلامسها يد أية سلطة محلية لترميمها وبث الحياة فيها، وامتد ذلك لأكثر من 16 عاما حتى جاء أولئك الشباب فأعادوا لها الحياة، فرشوا الأرضيات بالبساط الأحمر وأوصلوا لها التيار الكهربائي وصارت ملاذا آمنا لهم.

من هناك، تستطيع أن ترى ساحة التحرير في وسط بغداد التي صارت نقطة انطلاق وتجمع المظاهرات والاعتصامات. وتحدثت التقارير الصحافية العالمية عن تدفق غير مسبوق للنساء من طالبات جامعيات وموظفات وفرق طبية للإسعاف ورسامات ووظائف أخرى.

القصة الصحافية في وضع كهذا تتخذ شكل مغامرة أيضا فهنالك موت وضحايا في الأرجاء، فقد سقط عشرات المتظاهرين صرعى فضلا عن عدة آلاف من الجرحى في عمليات مواجهة وحشية من طرف قوات الأمن العراقي، ويقال إن بعض الهجمات كانت على أيدي ميليشيات وعصابات مسلحة.

المظاهرات والاعتصامات تضرب العراق طولا وعرضا ما عدا مناطق الأكراد، ولهذا بإمكانك قراءة المشهد أينما كنت وفي أية ساحة من الساحات

ومن القصص الصحافية التي تداولها المراسلون في باطن تلك العمارة المغطاة بالشعارات والمطالب، هي قصة قنابل الدخان التي اخترقت جماجم العديد من المتظاهرين، وهي فضيحة من العيار الثقيل تحيّرت الحكومة العراقية في تفسيرها متذرعة بتشكيل لجان للتحرّي عن أسباب الإصابات.

هنا يشعر الصحافي ومن خلال العديد من القصص الصحافية التي نشرت عمّا يعرف بانتفاضة أكتوبر العراقية الباسلة، أنه أمام سلسلة لا تنتهي من القصص الصحافية عن طموح حزين لشباب ثائر يريد أبسط حقوقه ويتوّج ذلك بشعار أريد وطنا.

صحف عالمية شرقا وغربا واكبت الحراك الشبابي العراقي متسائلة إلى أين سوف يفضي وهل ستبقى التظاهرات والاعتصامات في مقابل حكومة عاجزة؟ أم أنها عملية عض أصابع من الطرفين أيهما يصرخ قبل الآخر.

وكأنه تشظّ للقصة الصحافية مصحوب بتعدد وجهات النظر في تتبع مجريات كهذه لأنه استثناء بشري تلتقي فيه أعداد هائلة من المنتفضين الشباب وهم يواجهون قنابل الغاز تثقب جماجم بعضهم وهو ما يرويه صحافيون من جوف “جبل أحُد أكتوبر” بالعراق من زوايا متعددة في وضع محتدم لا يعرف الصحافي إلى أين سوف ينتهي.

18