الصحافيون كالسياسيين.. كلهم متشابهون

الصحافة أصبحت صوت الأثرياء، لأن أبناءهم هم الوحيدون القادرون على الالتحاق بالدورات التدريبية المكلفة، وهو ما جعل الصحف لا تمثل الرأي العام البريطاني ككل وبالتالي غاب التنوع عن المشهد الصحافي، وباتت الصحافة برمتها مهددة.
الاثنين 2016/08/08
غرف أخبار بلون واحد

لندن - تتجه الصحافة إلى فقدان التجانس بين الصحافيين الذين يخوضون غمارها وبين القاعدة الشعبية، ما خلق مشكلة جديدة تتمثل في انفصال الصحافة عن الواقع، وهذا ما اتضح جليا خلال التعاطي الإعلامي مع مسألة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، والانفصام الصارخ بين وسائل الإعلام والنخبة.

تدرك العديد من وسائل الإعلام بشكل متزايد انفصالها عن الواقع السائد في المملكة المتحدة، حيث وضعت الحواجز أمام الخلفيات الفقيرة أو الأقليات، ما انعكس بشكل سلبي جدا على غرف الأخبارالتي أصبحت حكرا على تيار أو اتجاه واحد.

وذكر تقرير ميلبورن لعام 2012 حول الحراك الاجتماعي، أن “الصحافة تحولت إلى درجة أكبر من التفرد الاجتماعي مقارنة بأي مهنة أخرى”، ومن المفاجئ أن المؤسسة التعليمية الخيرية “سوتن تراست” كشفت أن 51 في المئة من أفضل 100 صحافي في بريطانيا هم من خريجي المدارس الخاصة – وهو ما يمثل أكثر من سبعة أضعاف المعدل الموجود في المملكة المتحدة.

وأوضح الاتحاد الوطني للصحافيين في تقديمه للحراك الاجتماعي أمام الأحزاب البرلمانية هذا الأسبوع، أن هذه الصناعة لا تزال “حكرا على أصحاب الامتيازات”.

ويرى روي غرين سلايد، وهو أحد كتاب صحيفة الغارديان البريطانية وأستاذ بإحدى دورات الصحافة الأكثر احتراما في البلاد في جامعة سيتي، أن اتجاهات صناعة الصحافة لا تسير في الاتجاه الصحيح. مشيرا بشكل متشائم، إلى أن الصحافة اليوم “تعمل ضد الطبقة العاملة”. وأضاف “منذ انطلاقها في الستينات من القرن العشرين، كان هناك تحول جغرافي وديموغرافي (نحو الصحافيين الأثرياء من الجنوب الشرقي). ويعود السبب جزئيا إلى غلق مكاتب غلاسكو ومانشستر، التي كانت تضم المواهب.

واشتكت إحدى الطالبات المنتميات إلى الطبقة العاملة، من غياب الدورات التدريبية الموجهة لأولئك الذين لا ينتمون إلى طبقة الأثرياء ولا يملك أولياؤهم علاقات واسعة.

فشل الصحف في توظيف صحافيين من خارج مجموعة محدودة من الناس يهدد قدرتها على البقاء على صلة بقرائها

وتقول “قضيت ساعات لأتقدم بطلب للحصول على المنح الدراسية لكني لم أوفّق، ووجدت أنه لا توجد طريقة كي أكون قادرة على الدفع، فبدأت عملا مكثفا منذ أن غادرت الجامعة، مازلت غير مرتاحة لتحمله، لذلك لم يكن أمامي إلا التخلي عن مكاني، وبشكل مؤلم، وإيداع 500 جنيه إسترليني”.

وتقول رابطة الطلاب إنه سيتم البحث فقط في كيفية أن الكثير من الناس يملكون قصة مشابهة خلال العام المقبل، ولكن المنظمة واعية بالفعل بأن التدريب في الصحافة يمثل إشكالية، تنحصر عموما في “العجز المالي”.

يرفض غرين سلايد فكرة أن هناك ما يكفي من المنح الدراسية التي تسمح لعدد كبير من الطلاب المحرومين من الدورات، رغم أن هناك مبادرات جديرة بالاهتمام.

ويقول إنه يمكن للقروض الحكومية الموجهة للدراسات العليا أن تحدث فرقا، رغم أن المزيد من الديون من غير المرجح أن تغري الطالب بالتوقف عن مزاولة الدراسة بالجامعة بسبب التكاليف الباهظة.

وتساعد بعض المنظمات مثل “سكوت تراست”، والمجلس الوطني لتدريب الصحافيين، ونقابة الصحافيين والاتحاد الوطني للصحافيين في تمويل عدد من الصحافيين الطموحين – غالبا من الأقليات – في كل عام، فيما يمكن للبعض الآخر الاعتماد على القروض الحكومية، كما في وضع ناتاشا كلارك (صحافية في الغارديان) خلال فترة وجودها في جامعة وارويك، حيث عملت ضمن فريق تحرير صحيفة الطالب.

وتقول إن “التمويل صعب للغاية. انتهى بي الأمر بالحصول على قرض التطوير الوظيفي. وكنت أعمل من الساعة الـ9 إلى الساعة الـ5 في سيتي ثم من الساعة الـ5 إلى الساعة الـ9 في “شركة بات ونتجر”.

ويعتبر الحصول على الخبرة في العمل من الاعتبارات الرئيسية الأخرى للصحافيين الطامحين أمرا ضروريا، إذ أن معظم الصحافيين المستقرين في لندن، يتلقون تدريبا من دون أجر، وعن طريق العلاقات. وهذا يعني أن أولئك الذين يعيشون خارج العاصمة، من دون موارد مالية أو علاقات كبيرة لأوليائهم، لا يمكنهم التمتع بوضع صحافي مريح.

يقر جميع العاملين في الصحافة أن هذه القضايا لن تغير الواقع على الإطلاق. “أن تصبح صحافيا عليك أن تكون متعلما تعليما جيدا، وعلى اتصال جيد بالأثرياء، لذلك ليس من الصعب التكهن لماذا ينظر الجمهور إلى الصحافيين مثل السياسيين: كلهم متشابهون ومدهشون”. ومع ذلك، تتخذ الصحافية ريبيكا مايرز من “صنداي تايمز”، موقفا أكثر تفاؤلا، وتقدم التوصيات حول المساعدة الذاتية، بما في ذلك وجهة النظر في الدورات التدريبية القصيرة التي تقدمها جمعية الصحافة، منها تعلم اللغات، والبحث الجاد عن فرص التمويل، مع كل الفرص لبناء العلاقات.

وتشير إلى كيفية إقناع المحررين بنجاح مقالاتهم غير مدفوعة الأجر، إن “تجربة الصحيفة المحلية تحظى باحترام كبير ويمكن أن تفتح الباب أمام الصحافي للانتقال إلى إحدى الصحف الوطنية. القيام بأعمال مجانية يعتبر أمرا محبطا، ولكن يمكن أن يكون وسيلة جيدة للتعلم – تسمح لك بتجاوز الأخطاء والتعلم بسرعة”.

وينظر صحافي بارز من الأقليات العرقية، إلى التنويع في مجال الصحافة كخطوة إذا لم تكن كافية، فإنها لازمة وتمثل “الأمل الوحيد” لوسائل الإعلام الجديدة.

ويقول إنه ليست لديه قناعة كبيرة بأن الصحف يمكنها الهروب من “الحلقة المفرغة” التي تركتها والتي جعلتها لا تمثل جمهورها ولا هي صدى لما يرغب أو يفكر فيه. وهذا لن يؤدي إلا إلى خلق المزيد من المشاكلات للصحف التي تكافح بالفعل للتعامل مع التغييرات التي طرأت على طريقة تعاطي الجمهور معها – خاصة الشباب – واستهلاك الأخبار. وفشل الصحف في توظيف صحافيين من خارج مجموعة محدودة من الناس لا يهدد فقط قدرتها على عكس رؤى المجتمع في المملكة المتحدة ولكن أيضا، على المدى الطويل، وقدرتها على البقاء على صلة بقرائها.

18