الصحافيون لم يفقدوا جرأتهم، لكن الحرب فقدت أخلاقياتها

أصبح مقتل الصحافيين أثناء عملهم حافزا لإحداث تغيير رئيسي في كيفية تغطية المؤسسات الإعلامية للحروب والصراعات، وبدأت العديد من مؤسسات الإعلام بتوظيف خبراء متخصصين لحماية الصحافيين وتقييم مخاطر الحروب.
الثلاثاء 2016/12/27
شهود الحقيقة هدف للأطراف المتحاربة

مونتريال - لم يعد ممكنا للصحافيين والمراسلين التعامل مع مخاطر الحروب كالسابق، لا سيما وأن الأطراف المتحاربة باتت تعتبرهم جزءا من الصراع كونهم يقدمون روايات غالبا ما تتناقض مع مصالح القوى العسكرية الموجودة على الأرض والمسؤولة عن بشاعة الحروب المتزايدة.

لجأت غالبية المؤسسات الإعلامية الكبرى ووكالات الأنباء إلى اتخاذ خيارها بعدم إرسال صحافييها إلى مناطق الحروب، إلا أن مؤسسات أخرى وجدت أن القرار الأنسب هو توظيف أخصائيين لتقييم هذه المخاطر وإعداد المراسلين لمواجهة الأخطار التي قد يتعرضون لها.

ويمكن القول إن النزاع في أفغانستان، دفع مؤسسات الإعلام إلى إعادة التفكير في طريقة تغطية الحروب، بعد ما تعرض له الصحافي الألماني فولكر هاندلويك، والتساؤل حول القرار الأخير الذي واجهه هل يظل واقفا أم يقفز؟ قبل أن يتعرض لإطلاق النار على رأسه.

كان هاندلويك يتنقل على متن مركبة قتالية تابعة لسلاح المشاة في أفغانستان ضمن مجموعة أخرى من الصحافيين كانت ترافق جنود تحالف الشمال. وقد ومضت فوهات ما يقرب من ست بنادق وانطلقت المئات من الطلقات من مدفع رشاش لتضيء ظلمة الليل.

وقفز العديد من الجنود أو سقطوا، بينما اختل توازن المركبة الروسية الصنع أثناء نزولها من الربوة وهي تترنح كحيوان جريح، وهم يحاولون تفادي الكمين الذي نصبه لهم جنود طالبان.

وقفز هاندلويك، وتدحرج على الأرض ثم ما لبث أن اختفى عن الأنظار. ولم يره الصحافيون الذين كانوا يتنقلون معه على متن المركبة مرة أخرى.

ولكن صورة هاندلويك، الصحافي الذي يعمل بمجلة شتيرن الألمانية، وهو يرتدي الزي الأفغاني الثقيل، وخصلات شعره المجعد البنية اللون المعقودة خلف رأسه، وهو يتدحرج ليخفف من حدة سقوطه على الأرض من على متن حاملة الجنود السريعة، ظلت عالقة في الأذهان، وظل من كانوا معه يتذكرون هذه الصورة حتى بعد مرور خمسة عشر عاما.

وأصبح مقتل الصحافيين أثناء عملهم حافزا لإحداث تغيير رئيسي في كيفية تغطية المؤسسات الإعلامية للحروب والصراعات.

روبرت ماهوني: من الممكن أن يكون الصحافي مفيدا لجماعة ما أو لأغراض دعائية

وقال الصحافي المخضرم، ميشال كورمييه رئيس قسم الأخبار والأحداث الجارية باللغة الفرنسية في هيئة الإذاعة الكندية، إن العديد من المؤسسات الإعلامية توظف الآن خبراء وظيفتهم الأساسية توفير الأمن للصحافيين، والتأكد من أنهم مجهزون ومدربون للذهاب إلى أماكن الحروب وأحداث العنف المحتملة مثل الاحتجاجات وأعمال الشغب.

وأضاف كورمييه أن محرري الأخبار والمراسلين وخبراء الأمن يعكفون الآن وبشكل مستمر على تقييم المخاطر المحتملة لأي مهمة، وما إذا كانت هناك أي مخاطر يمكن تبريرها من الناحية التحريرية.

واستطرد كورمييه الذي غطى العديد من الصراعات، ومن بينها الحرب الأفغانية لصالح راديو كندا وهيئة الإذاعة الكندية “لقد كنا من قبل مجرد أطفال في الغابة”.

وقال كورمييه إنه قبل عام 2000 لم يكن العديد من الصحافيين على دراية بالأخطار، ولم يكونوا مجهزين لحماية أنفسهم من الرصاص والشظايا والأمراض وحوادث السيارات، كما أن معظم المراسلين لم يتدربوا على الإسعافات الأولية.

وأضاف كورمييه “أعتقد أن أفغانستان غيرت طريقة تغطيتنا للحروب، وذلك لشيء واحد هو أننا لسنا في حرب تقليدية، أما الآن فقد أصبح ينظر إلينا على أننا جزء من العدو”. ويرى الصحافي المخضرم أن مؤسسات الأخبار والمراسلين يتعين عليهم التكيف مع الحقائق الجديدة للحرب، حيث لا توجد خطوط أمامية واضحة في تلك الحروب.

وأوضح “لقد تعلمنا أنه يتعين علينا أن نعرف كيف تدار الحروب: أي نوع من الأسلحة سنواجهها، ما مسار ومدى الرصاص والمسافات التي يقطعونها في السفر وحقيقة الأماكن التي سيجتازونها، وما إذا كانت جدران من الطوب أم إطارات سيارات”.

ولكن ما حدث من تطوير في التدريب على أساليب الأمن لم يكن كافيا لحماية كل الصحافيين في الحرب. فقد لقي أكثر من نصف الـ48 صحافيا الذين قتلوا في عام 2016 ، حتفهم أثناء تغطيتهم الحروب أو الصراعات، حسبما تقول إيلانا بيسيير مديرة تحرير لجنة حماية الصحافيين.

وأضافت بيسيير أنه من واقع التاريخ فإن نحو ثلثي الصحافيين الذين لقوا حتفهم أثناء تأدية وظيفتهم، قتلوا في انتقام مباشر بسبب تقاريرهم. واستطردت “لكن هذا العام كانت هذه النسبة أقل بشكل كبير وبدلا من ذلك رأينا الكثير منهم يقتلون في الحرب”.

وتابعت أن الوظائف الأكثر خطورة لتقارير تغطية الحروب أصبحت بشكل متزايد من نصيب الصحافيين المحليين أو الصحافيين المستقلين الذين غالبا ما يفتقرون لتلقي التدريبات المطلوبة، وذلك إما بسبب المخاوف المتعلقة بالسلامة للصحافيين الغربيين وإما لصعوبة التمكن من دخول مناطق المعارك.

وقالت بيسيير إن تسعة من بين كل عشرة صحافيين قتلوا أثناء تغطيتهم الصراعات في عام 2016 كانوا من الصحافيين المحليين.

وأضافت أن لجنة حماية الصحافيين تؤيد توفير حماية في ميادين القتال وتجهيز ملائم للصحافيين المستقلين الذين يغطون الصراعات، وأنها تحاول أيضا توجيه رسالة مفادها أن الصحافيين مدنيون، ومن ثم فإنهم يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي.

وقال روبرت ماهوني، نائب المدير التنفيذي للجنة حماية الصحافيين ” لقد برزت ظاهرة جديدة ألا وهي خطف الصحافيين، حيث أنه من الممكن أن يكون الصحافي مفيدا لجماعة ما تطالب بفدية أو لأغراض دعائية أو سياسية”.

ووفقا لتقرير لجنة حماية الصحافيين، فإن العدد المرتفع لوفيات الصحافيين في السنوات الأخيرة يرجع إلى أنه لم يعد هناك سوى القليل منهم لقتلهم وقد يكون أحد الأسباب لانخفاض جرائم القتل في عام 2016.

وقال التقرير “إن أعمال القتل في الصومال كان لها بالغ الأثر، فقد تركت سنوات العنف والترويع وتضاؤل الأمل في إحلال العدل، مجتمع الإعلام هناك في حالة خوف وإنهاك”.

18