الصحافيون ليسوا أعداء لأحد

فصيلة جديدة من الصحف الأميركية صار الرئيس ترامب يناصبها العداء ويعدها بؤرا للكذب ومعاداة المجتمع، بل إنه قال في تغريدة له إنها تقدم نوعا من الصحافة التي تبعث على الاشمئزاز.
الثلاثاء 2018/08/28
صحيفة نيويورك تايمز العدو الأول من وجهة نظر الرئيس

لا شك أن ثنائية الصحافة والحكومة سوف تبقى علامة فارقة في حياتنا المعاصرة.

علاقة إشكالية يغلب عليها عدم الرضا بين الطرفين، تشهد على ذلـك العـديد من الساحات.

حتى في دولة متطورة تعطي المثال الأعلى للصحافة والحريات الصحافية كالولايات المتحدة، عين الرضا ليس لها وجود لا من طرف الحكومة ولا من طرف الصحافة.

ما شهدناه ونشهده من سجالات متواصلة بين الطرفين يعطي دروسا عميقة حول وظيفة الصحافة وموقف السياسي منها.

مشكلة الصحافة الأساسية أنها لا تسير جنبا إلى جنب مع إجراءات الحكومة وسياسات الحكام، ولهذا فهي غير مرضي عنها. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعطي مثالا حيا لنوع تلك العلاقة الإشكالية، إذ يكاد يكون الزعيم الأميركي الوحيد الذي وصل في علاقته إلى هذا المستوى من الجدل وربما الصراع مع الصحافة.

لا الرئيس يقرأ في صحافة بلاده ما يرضيه ولا الصحافة مستعدة لتقديم أخبارها وتغطياتها بحسب مذاق الرئيس.

انطلق الرئيس في خلافه المستدام مع الصحافة من معضلة “الأخبار الكاذبة” وهو نوع من الأخبار مدان من طرف الجميع، حكومات وجمهورا، لكن حشر الصحافة المشاكسة والناقدة في خانة المروجة للأكاذيب هو الإشكالية الكبرى.

الرئيس وصل في مناكفته للصحافة إلى حد وصفها بأنها عدو للشعب وشكل من أشكال المعارضة السياسية.

وضع لم يكن مرضيا بما فيه الكفاية، ما دفع الصحافة الأميركية إلى التكاتف ومؤازرة بعضها البعض في ظاهرة غريبة واستثنائية شهدنا وقائعها خلال الأيام القليلة الماضية.

حملة منسقة من المقالات الافتتاحية نشرتها العديد من الصحف الأميركية شددت على أهمية حرية الصحافة.

افتتاحية بوسطن غلوب التي قادت الحملة، جاء فيها “لدينا اليوم في الولايات المتحدة رئيس خلق شعارا يقول إن وسائل الإعلام التي لا تدعم بشكل صارخ سياسات الإدارة الأميركية الحالية هي عدوة الشعب”.

وأضافت الافتتاحية عنوانا بارزا “الصحافيون ليسوا أعداء”، وقالت “هذه واحدة من الأكاذيب العديدة التي أطلقها هذا الرئيس”.

واعتبرت الصحيفة أن تصرفات ترامب مع الصحافة تشجع رؤساء مثل الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، على معاملة الصحافيين كأعداء.

وتأتي هذه الحملة من قبل الصحف ردا على إصرار ترامب على اعتبار التقارير المنتقدة له بمثابة “أخبار كاذبة”.

فصيلة جديدة من الصحف الأميركية صار الرئيس ترامب يناصبها العداء ويعدها بؤرا للكذب ومعاداة المجتمع، بل إنه قال في تغريدة له إنها تقدم نوعا من الصحافة التي تبعث على الاشمئزاز.

صحيفة نيويورك تايمز العريقة، كانت في عين العاصفة، فهي تكاد تكون العدو الأول من وجهة نظر الرئيس من بين الصحف الأميركية، حتى أنه عبر عن امتعاضه من طاقمها التحريري الجديد، ولهذا لم تتورع الصحيفة عن مخاطبة الرئيس قائلة “الإصرار على أن الحقائق التي لا تعجبك هي أخبار كاذبة، خطر على شريان الحياة الديمقراطية. وتسمية الصحافيين بأنهم أعداء الشعب مسألة خطيرة، نقطة على السطر”.

رد ما لبث أن استفز الرئيس فرد قائلا في تغريدة له “إعلام الأخبار الكاذبة هو حزب المعارضة. إنه سيء جدا لبلدنا العظيم”.

أجواء مشحونة بالسلبية المتبادلة حتى صارت مهمة الصحافة في مراقبة السلطات والتفاعل مع الرأي العام يشوبها الكثير من الحذر وسوء النية.

لعل “عدوانية الصحافة” في مقابل “عدوانية الرئيس” تلخص لنا طبيعة تلك العلاقة الإشكالية المعقدة التي أشرنا إليها في مدخل المقال؛ كيف ينظر الزعيم إلى الصحافة؟ وكيف تنظر الصحافة إلى الزعيم؟ لا سيما عندما يتهم الصحافيون بأنهم أعداء لنصف الشعب الأميركي، وبينما يصرخ الصحافيون: أيها الناس، نحن لسنا أعداء لأحد، تعطيهم الحكومة الأذن الصمّاء، قائلة بل أنتم العدو.

18