الصحافيون يدفعون أبهظ الأثمان من نزيف الصحف اللبنانية

خسر عدد كبير من الموظفين في المؤسسات الإعلامية اللبنانية وظائفهم إثر الأزمة التي تجتاح القطاع وكان آخرهم موظفون من صحيفتي المستقبل والأخبار، دون أن يتمكن الكثير منهم من نيل حقوقهم القانونية بسبب غياب دور النقابات المهنية في الدفاع عن حقوقهم، والتغول السياسي.
الجمعة 2016/09/30
عدد الصحف يتقلص شيئا فشيئا في لبنان

بيروت- منذ سنوات يطلق الصحافيون وخبراء الإعلام اللبنانيون تحذيرات من مستقبل الصحافة الورقية في لبنان الذي يشهد تدهورا غير مسبوق مؤخرا، أنهى مسيرة أعرق الصحف اللبنانية وأكثرها شهرة، بما فيها تلك التي عرفت بدعم من أحزاب سياسية كبيرة لم يكن من المتوقع أن تتخلى عن صحفها.

تداولت وسائل الإعلام اللبنانية في الأيام الماضية أنباء عن استغناء صحيفتي المستقبل والأخبار عن عدد كبير من العاملين لديهما، ورغم اختلاف وضعية الصحافيين المسرحين في المؤسستين، فإن النتيجة أن الصحافيين والعاملين هم الأكثر تضررا من تدهور وضع الصحافة المطبوعة، في غياب النقابات الفعالة التي تدافع عن حقوقهم، وتكتفي بإطلاق بيانات الاستنكار والتنديد بعد الاستغناء عن الموظفين.

وأطلق صحافيون لبنانيون حملة “إصلاح نقابتي الصحافة والمحررين” على مواقع التواصل الاجتماعي، أكدوا فيها أن الصحافة في لبنان تتعرض لحملة إبادة. والصحافيون يصرفون تعسفياً من دون أي حماية وأي ضمانة لاستمرارية عملهم. وأضافوا “الأمان الوظيفي يندثر، والمؤسسات تسلب حقوق الصحافيين والموظفين ولا من يسأل. أين نقابتنا؟ أين التضامن الصحافي؟”.

بدورها اكتفت وزارة العمل اللبنانية ببيان “استغراب” من إقدام صحيفة المستقبل على تسريح سبعة وأربعين عاملا لديها بينهم صحافيون ومحررون وموظفون إداريون دون إبلاغ وزارة العمل مسبقا بذلك، الأمر الذي اعتبرته مخالفا للقوانين شكلا قبل الوصول إلى المضمون. ويتوزع العاملون المفصولون من صحيفة المستقبل على أقسام الجريدة كافّة بين التحرير والإدارة والتصوير والتوزيع والإعلانات. وجاء هذا الصرف بعد تخلّف إدارة الجريدة عن دفع رواتب الموظفين لأكثر من تسعة أشهر، والعدول عن المنحة التي وُعد بها الموظفّون منذ شهرين.

وأُبلغ الموظفون هذا الأسبوع بقرار فصلهم مع تعهّد بدفع تعويضاتهم من دون تحديد الوقت، مع عدم وجود مؤشرات على حل للأزمة التي تجتاح المنابر الإعلامية لمؤسسة المستقبل التابعة لرئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري. وقالت وزارة العمل “إنها إذ تتفهم الوضع المالي الدقيق الذي تمر به المؤسسات الإعلامية عموما ومؤسسة المستقبل خصوصا، فإنها تبدي استغرابها لحصول هذا الصرف دون اتباع الآليات المرعية الإجراء وفي طليعتها ما نص عليه قانون العمل لجهة التشاور المسبق مع وزارة العمل”.

وأضاف بيان الوزارة “ولدى معرفة الوزارة بما جرى اتصلت مصلحة العمل والعلاقات المهنية بمدير عام صحيفة المستقبل للاستيضاح فأبلغ الوزارة بأن عمليات الصرف تمت بالتراضي”. ونتيجة لهذا التوضيح أبلغت الوزارة المصروفين عن العمل أن أبوابها مفتوحة لأي مراجعة وتهيب من جهة أخرى بكل المؤسسات التي تقدم على أي عملية صرف وجوب إشعار الوزارة مسبقا” للتشاور في الأسباب الموجبة.

واعتبر صحافيون لبنانيون أن هذا البيان الشكلي، مجرد تحرك اسمي لوزارة العمل لا يستطيع أن يضمن حقوق الصحافيين، أو يفرض التزامات أو عقوبات على المؤسسات الإعلامية التي طردت الموظفين. وأشار الصحافيون إلى أن الأزمة تجتاح قطاع الصحافة كاملا في لبنان، فقد قامت صحيفة “النهار” بتخفيض عدد صفحاتها إلى 12، بعد تسريح عدد من الموظّفين في الجريدة وفي “دار النهار”، لمواجهة الأزمة الماليّة التي تطال غالبيّة الصحف اللبنانيّة ومنها “السفير” و”الأخبار” و”اللواء”.

أما العاملون في صحيفة الأخبار فكان وضعهم أفضل جزئيا مع منحهم البعض من الحقوق المالية، بعد أن أصدرت إدارة جريدة “الأخبار” قبل أسبوعين قراراً بفصل خمسة عشر موظفاً من الجريدة “لأسباب مالية وخاصة”، يتوزعون على مختلف أقسام الجريدة، من إدارة وتحرير وأمن ومراسلين ومعلوماتية، على أن يتم دفع كل مستحقاتهم المالية في فترة زمنية محددة.

وقال الصحافي حسين مهدي، الذي تم صرفه من العمل، في حديث إلى مركز “سكايز” المعني بالدفاع عن الحريات الصحافية في لبنان “تبلّغت من إدارة الجريدة قرار صرفي تعسفياً لأسباب مالية وخاصة، وأعفيت من العمل خلال شهر الإنذار، كما عطّلت الإدارة بطاقة المصعد الخاصة بي وتوقّف بريدي الإلكتروني الخاص بالجريدة في اليوم الذي تم (فيه) إبلاغي بالقرار”. وأضاف “تلقيت أمس رسالة رسمية تفصّل قيمة مستحقاتي المالية، أي بدل أشهر الصرف التعسفي، وبدل شهر الإنذار، وبدل أيام الإجازات السنوية، وتم تحديد موعد قبضها، ما يعني أنه سيتم دفع كافة مستحقاتي المالية”.

من جهة ثانية، تحدث موظف آخر فضّل عدم الكشف عن اسمه قائلا “تبلغت بقرار فصلي من الجريدة مع زملاء آخرين”، وبين أنه “تم دفع صحافيين اثنين إلى تقديم استقالتيهما بعد أن تم تخفيض راتبيهما إلى النصف، وكان أمامهما خياران: إما البقاء لكن بشرط الراتب الجديد وإما تقديم استقالتيهما، لكنهما اتخذا قرار الاستقالة”. ويعتبر خبراء الإعلام أن تراجع التمويل الذي وظف الصحف لحسابات سياسية إقليمية ومحلية، أدى إلى ظهور الأزمة بعدما كان التمويل السياسي المصدر الرئيسي للكثير من مؤسسات الإعلام اللبنانية.

جدير بالذكر أن صرف الموظفين من صحيفة الأخبار جاء بعد أيام على قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تغريم الصحيفة بمبلغ 26 ألف يورو بتهمة “التحقير”، من خلال التدخل في سير العدالة وتشكيك الرأي العام في قدرة المحكمة على حماية سرية المعلومات المتعلقة بالشهود، في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

18