الصحافي روائيا

السبت 2016/12/31

صادف أن بقيت لعدد من الأيام، يشغلني سؤال يتعلق بالرواية، فهذا العدد الكبير من الروايات التي تكاد تصدر يوميا، وفي كل مدينة، هل هو لصالح الرواية؟ فحين تزور أي مكتبة، تجد إصدارات الرواية أكثر من أي جنس من أجناس الكتابة الأخرى، أدبية كانت أو غير أدبية.

أما في المعارض الوطنية، فتفاجأ بالمعروض من الروايات التي تملأ الرفوف، وقد تجد في جناح واحد ما لا تقدر على قراءته في خلال عام، وقد سبق لي أن كتبت منذ سنين “ليس كل من كتب رواية أو أكثر هو روائي، وهناك فرق بين الروائي وكاتب الرواية”.

أما على صعيد الحياة الأدبية، فمن النادر أن تلتقي بشخص أدركته حرفة الأدب أو لم تدركه ولم يدركها، إلا وسألك عن رواية نشرها أو حدثك عن رواية في سبيله إلى نشرها، أو قال لك إنه يفكر في كتابة رواية، وفي الوقت ذاته، فمعظم الذين يمارسون كتابة الأدب يلاحقهم سؤال: هل كتبت رواية، أو هل تفكر في كتابة رواية؟

وفي خضم هذا الوضع، من حجم الإنتاج الروائي فإن التوزيع، ومن ثم التلقي، قراءة أو نقدا، يكاد يكون على العكس تماما، إذ أن بعض دور النشر لا يتجاوز عدد النسخ التي تطبعها من الروايات التي تنشرها أكثر من ثلاثمئة نسخة، قد تزيد قليلا أو تنقص، وتصدر روايات لا تحظى، ليس بقراءة نقدية فحسب، بل حتى بحد أدنى من الالتفات الإعلامي، ويتحمل الكاتب، إضافة إلى عبء كلفتها المادية، عبء توزيعها.

وإذ كنت أعيش هذه التساؤلات، وما يقترن بها من انطباعات، يفاجئني الصديق سلام الشماع، بأن يهديني رواية كتبها الصحافي العراقي عيسى العيسى، الذي توفي في العام 2012 بقطر ودفن فيها، وهي بعنوان “غمرات العشق” الصادرة عن دار” طوى” بالعاصمة البريطانية في العام 2012.

لقد كانت بداية عيسى العيسى شعرية، وفي أوائل الستينات من القرن الماضي نشر عددا من القصائد لفتت إليه الأنظار، لكن ما إن استقطبه العمل الصحافي حتى انقطع عن نشر قصائده، ولا أدري حتى الآن، إن كان قد انصرف عن كتابة الشعر أم انصرف عن نشره؟

أما في العمل الصحافي، فقد كان من بين أبرز صحافيي جيله، وبخاصة على صعيد كتابة التحقيق والتقرير الصحافي.

ومن الواضح أن رواية “غمرات العشق” هي صدى لتجربته الصحافية، حتى ليذهب بي الظن إلى أن ما اعتمد عليه في أحداثها، كان من يومياته الصحافية أو صفحات من مذكراته، وربما كتبها كنص روائي بعد أن رأى الكثيرين يكتبون روايات أو ما يعدونه روايات. فقد كانت البداية من الأردن، حيث كان يغطي نشاطات القطعات العسكرية العراقية وما يقترن بمحيطها من نشاط المقاومة الفلسطينية، وكان ما كتبه عن معركة الكرامة، من ميدان المعركة، من بواكيره الصحافية التي كانت من مفردات روايته.

ثم كانت رحلته الصحافية إلى ناحية السلمان، لإعداد تحقيق صحافي عن إلغاء معتقل نقرة السلمان في العام 1968، من مكونات روايته أيضا، كما حرص أيضا على أن يضمّن روايته ما كتبه للصحافة عن إعدام الجواسيس، أما الحدث الرئيس في الرواية، فهو رحلته الدراسية إلى هنغاريا، في مدرسة الصحافيين العالمية في بودابست، التي لها علاقة وثيقة بتجربته الصحافية، وقد أغنت هذه الرحلة، الرواية بأحداثها، وبخاصة تجربة الحب التي اتسمت بواقعية لا أجدها في الكثير من حكايات الحب الروائية، وهي -الرواية- في جميع مكوناتها، نتاج الصحافي روائيا، إذ لم يعتمد على تجاربه الصحافية وأحداثها فحسب، بل يكاد أن يقدم سيرة صحافي موهوب ومجتهد في نص روائي.

كاتب من العراق

16