الصحافي.. سفير نوايا حسنة يكسر حواجز الاختلاف

اتحاد الصحافيين الأفريقيين يفتح آفاق تبادل الخبرات بين شباب المهنة في أفريقيا، لكسر حواجز اللغة واللون والدين.
الأربعاء 2019/05/29
الصحافة توحّد أفريقيا

تونس - يجمع اتحاد الصحافيين الأفريقيين برئاسة الكاتب الصحافي محفوظ الأنصاري وبالتعاون مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الذي يرأسه مكرم محمد أحمد، عددا من الشبان الأفارقة في مصر ضمن دورتين تدريبيتين سنويا، وذلك منذ العام 1992، بهدف دعم الصحافة والإعلام الأفريقيين ولفتح آفاق للتعارف وتبادل الخبرات بين شباب المهنة، والأهم من ذلك كسر كل حواجز اللغة واللون والأعراف بينهم.

أكد الأنصاري، أثناء اجتماعه بالدارسين في الدورة الأخيرة التي انتهت منذ أسابيع، على أهمية مسألة التقريب بين ممثلي دول أفريقيا قصد توثيق الصلة بينهم وفتح قنوات تواصل تتجاوز عوائق اللغة واللون.

هذا التقارب بين شباب بلدان أفريقية، يحقق ما عجزت عن تحقيقه القارة السمراء إلى حد الآن. فرغم كونها تعد ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان، إلا أن كل بلد فيها ينأى عن دول الجوار، وتزداد الهوة اتساعا خاصة في الجانب الشمالي من القارة.

ولطالما تحدثت بعض البرامج التعليمية عن ضرورة التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى، إلا أن هذا الدافع ليس كافيا، وحتى المعلومات المنتشرة على الشبكة العنكبوتية لا تتيح الاطلاع بشكل دقيق على تقاليد الآخر وعاداته، إذ لا بد من الاحتكاك الفعلي حتى يتحقق ولو جزء يسير من هذا التعارف، وهذا ما تهدف هذه الدورة التدريبية لتأكيده على أرض الواقع.

وفي سعي دؤوب امتد على ثلاث وخمسين دورة، عمل الاتحاد على جمع ممثلي مختلف شعوب أفريقيا على أرض مصر، وكان الهدف البعيد من وراء ذلك، فضلا عن الأهداف المهنية، القضاء على الخلفيات التي تعشش في أدمغة أغلب الأفارقة حول بعضهم البعض، وتتسم إما بالنظرة الدونية وإما بالأفكار المغلوطة.

اللقاء كان في البداية مشوبا ببعض الأحكام المسبقة، لكن مع الوقت تحولت هذه المجموعة من أفراد غرباء إلى أصدقاء يخافون على بعضهم البعض ويتشاركون كل ثانية، وتقاربوا حتى بنوا جسرا متينا لم ينقطع برحيلهم إلى ديارهم، بل حمل وعودا بكسر الحواجز الفاصلة بينهم.

وعزز يوم ثقافي أقيم على هامش الدورة هذه الروابط وشرعت نوافذ كان أصحابها سفراء للتعريف ببلدانهم، فتشكلت أمام عدسات كاميرات هؤلاء الشبان مجموعة من تقاليد وعادات جميلة قادمة من نواح مختلفة، وشجعتهم على تبادل الزيارات مستقبلا ولو من بوابة السياحة.

كما كشفت العديد من المواقف التي جدت خلال المحاضرات أو الزيارات الميدانية، عن جملة من التفاعلات بين المتدربين اتسم بعضها بالإيجابية وبعضها الآخر بالسلبية، من ذلك تهنئة غير المسلمين للمسلمين بقدوم شهر رمضان الذي بدأ بعد انقضاء الدورة التدريبية بأيام قليلة. لكن هذا التسامح بين أفراد من ديانات مختلفة لم يمنع بعض الصحافيين من أفريقيا جنوب الصحراء من إظهار رفضهم مشاركة المسلمين الدخول إلى مسجد عمرو بن العاص، وهو أول جامع تم بناؤه في مصر وفي أفريقيا كلها، وهذا ما أفرز ضيقا بين الصحافيين المسلمين الذين لم يمانعوا في بداية الجولة التي عرجت ضمن برنامج زيارة مجمع الأديان على كنيسة مار جرجس المسيحية والمعبد اليهودي، من مشاركة أصدقائهم الولوج إلى عوالم ديانات أخرى والإصغاء إلى مرشدهم السياحي المرافق لهم.

وكانت الشقراء الجزائرية ترجمان المجموعة لإتقانها ثلاث لغات؛ العربية والفرنسية والإنكليزية، تحاول التقريب بين زملائها على اختلاف لغاتهم، بالإضافة إلى أنها لم تبخل بما تملك من أدوية ومتاع طيلة فترة التدريب.

هذه الوقائع وغيرها قد تبدو صغيرة في تفاصيلها، لكنها مثقلة بمعان كبيرة تؤكد على إمكان التسامح بين أبناء القارة الأفريقية.

ولعل أول خطوة في هذا الدرب ستبدأ قريبا مع إطلاق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام استجابة للدارسين الأفارقة موقعا إلكترونيا يوفر فرص التفاعل البناء في ما بينهم.

مفيد أن يكون للمرء أصدقاء في كل بلد أفريقي يتواصل معهم ويتبادل الأفكار والاهتمامات، والأكثر جدوى أن تنفتح المجتمعات أيضا على هذا التواصل البناء الذي يمكن أن يحمل بين طياته الكثير من الحلول لمشكلات اقتصادية واجتماعية استعصى حلها على معظم الدول الأفريقية.

ولعل أول لبنة في طريق تأسيس وحدة أفريقية لا بد أن توضع من قبل الأفراد قبل الجماعات، إذ أن أغلب الناشئة يتلقون تربية قائمة بشكل ما على نبذ الآخر المختلف حتى وإن كان ينتمي لنفس الرقعة الجغرافية، فالطفل لا يولد حاملا لمشاعر الكراهية والعنصرية بل يكتسبها من عائلته ومحيطه ومجتمعه.

ومن الواجب تطوير سبل التواصل الجديدة بإبعاد الناشئة عن التصورات القديمة حول أسياد وعبيد، وأن يتم إثراء قواميس التعامل بمفردات حبلى بمعان جميلة. فعلى سبيل المثال كان كل ما يردده الجميع عن تونس “عيشك أو برشا” أو عن المغرب والجزائر “بالزاف” ولا شيء غير ذلك، في حين أثبت المغرب العربي معرفة واسعة بجل العبارات المصرية بفضل الدراما التي وفرت إمكانيات واسعة للانفتاح على العالم.

13