"الصحبة المتوحشة" مرثية حزينة لنهاية عصر الغرب الأميركي

سام بكنباه يتأثر في "الصحبة المتوحشة" بأفلام سيرجيو ليوني "الاسباجيتي" خاصة “ذات مرة في الغرب” الذي ظهر في العام السابق مباشرة على "الصحبة المتوحشة".
الأحد 2019/07/21
في الطريق إلى المواجهة النهائية

تحتفل الأوساط السينمائية في العالم بمرور خمسين عاما على إنتاج وعرض الفيلم الأميركي “الصحبة المتوحشة” الذي أصبح حاليا من كلاسيكيات السينما في العالم، وكان يؤرخ لنهاية عصر الغرب الأميركي، الذي جعله المخرج سام بكنباه، عصر البطولة الفردية والتضحية.

أخرج سام بكنباه (1925-1984) “الصحبة المتوحشة” The Wild Bunch عام 1969 بعد فترة قلقة في حياته، فقد كان لا يزال يعاني من الآثار النفسية السلبية بعد أن منع من استكمال تصوير فيلم “سنسيناتي كيد” وطرد من العمل (استعانت الشركة المنتجة بالمخرج نورمان جويسون)، ثم المشكلات الكثيرة التي أحاطت بتصوير فيلم “ماجور دندي”.

أما “الصحبة المتوحشة” فقد كان محاولة من جانب مخرجه لتقديم أفضل ما لديه، واستعادة سمعته. ومشاهدة الفيلم اليوم تعيد إلى الأذهان ليس فقط هذا الحس الخاص الذي تميز به بكنباه في علاقته بهذا النوع الشعبي من الأفلام أي فيلم الويسترن، بل وتجعلنا أيضا نستعيد التقاليد التي كانت تتبعها هوليوود في تلك الفترة.

كانت المفاهيم السائدة للفيلم السينمائي لدى الجمهور، رغم التعديلات التي أدخلت على قواعد الرقابة في أميركا قبل ظهور الفيلم بفترة قصيرة، أن العنف يجب أن يكون “معقولا”، وأن تتم إدانته واستنكاره على الشاشة، خشية أن يصبح مجالا للإعجاب من جانب الجمهور، أو يدفع إلى محاكاته.

"الصحبة المتوحشة" عمل من أعمال «السينما الخالصة»، فيه يستخدم سام بكنباه أدوات السينما: الكاميرا والمونتاج والموسيقى والمؤثرات البصرية، ليس فقط لرواية قصة ذات مغزى ما، بل للتعبير عن واقع سينمائي خاص، رؤية لعالم ينتهي وعالم جديد يبدأ

وكان ما تعرض له الفيلم من هجوم من جانب كثير من النقاد، يستند إلى فكرة أن الفيلم يجب أن يكون مخلصا للواقع، بينما كان نقاد الجماليات يرون أن الفيلم يمكن أن يكون كيانا فنيا قائما بذاته مستقلا عن الواقع.

هذا الجدل هو ما يصبغ ذلك الصراع الممتد بين دعاة الواقعية، ودعاة الأسلوبية، بين الفيلم كأداة لتفسير الواقع، وبينه كأداة للتعبير عن رؤية الفنان للواقع من خلال نظرته الخاصة، وبين الفيلم كمضمون-اجتماعي وسياسي، والفيلم كشكل سينمائي يتطور ويخضع للتجريب باستمرار.

كانت الستينات فترة النقد القائم على الواقعية والتفسير السياسي للسينما ولكنها كانت أيضا فترة ازدهار كبير لمفهوم “الأسلوبية الفردية” التي أطلق عليها “سينما المؤلف” أو المخرج صاحب الرؤية. ولا شك أن “الصحبة المتوحشة” يقع تحت هذا التصنيف. إنه فيلم مؤلف سينمائي بامتياز.

صورة جديدة

فترة النقد القائم على الواقعية والتفسير السياسي للسينما
فترة النقد القائم على الواقعية والتفسير السياسي للسينما

كانت أفلام الغرب الأميركي (الويسترن) تتضمن الكثير من مشاهد القتل وإطلاق الرصاص، لكن كان من النادر أن نرى آثار القتل أو إطلاق الرصاص، أي الدماء أو مكان اختراق الرصاصات للوجه أو للصدر، إلى أن جاءت أفلام “الويسترن الاسباجيتي” الإيطالية وعلى رأسها أفلام المخرج سيرجيو ليوني، وفيها نسمع صوت طلقات الرصاص ليس كما نسمعها في الواقع بل مضخمة كثيرا بشكل فني بحيث أصبحت لها موسيقاها الخاصة، ونرى اختراق الرصاصات للجسد وللوجه أحيانا بشكل يبدو مبالغا فيه كثيرا، وهو ما يؤكد أن الإخلاص للأسلوب يطغى على فكرة محاكاة الواقع.

شاهدنا أيضا استخدام آلات القتل الحديثة مثل المدفع الرشاش سريع الطلقات وكيف يستخدم في القتل الجماعي في فيلم “من أجل مزيد من الدولارات” (1965).

ولم تكن أفلام الغرب الأميركية قد عرفت بعد هذا المستوى من العنف. وقد تأثر سام بكنباه في “الصحبة المتوحشة” بأفلام سيرجيو ليوني “الاسباجيتي” خاصة “ذات مرة في الغرب” الذي ظهر في العام السابق مباشرة على “الصحبة المتوحشة”. وقد أراد بكنباه أن يقدم رؤيته “الأميركية” الخاصة للويسترن ردا على موجة أفلام الاسباجيتي وتأكيدا على أصالة النوع الأميركي.

انقسم النقاد والجمهور انقساما حادا حول فيلم “الصحبة المتوحشة”، بين من اعتبره عملا يستغل العنف ويوظفه من أجل الإثارة والصدمة وابتزاز المشاعر، ومن اعتبره عملا سينمائيا كبيرا من أعمال الفن، بل إن هناك من بلغت به الحماسة أن اعتبر تصويره للعنف بكل تفاصيله، دعوة لمناهضة العنف.

كان بكنباه يرغب في جعل فيلمه مرثية كبيرة لعالم الويسترن، لأبطاله الذين استقروا في الخيال الشعبي الأميركي وأن يقدم تصويرا حزينا شفافا لغروب عصر، وبداية عصر جديد سيبرز فيه كثيرا دور الآلة (نشاهد في الفيلم السيارة كما نشاهد البنادق المتعددة الطلقات والمدفع الرشاش).

نحن في عام 1913 أي قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى مباشرة قبل أن ينتقل العالم إلى مستوى جديد من القتل الجماعي. أمامنا ستة من أفراد عصابة واحدة: قتلة ولصوص وقاطعو طرق وأوغاد، لكنهم يتمتعون أيضا بروح المرح، أهم ما يميزهم إخلاصهم الشديد لبعضهم البعض. هناك أيضا ذلك “النبل” الخفي الذي يكمن تحت قشرة التوحش والقتل عند الضرورة بدم بارد. هؤلاء الأشقياء تقدم بهم العمر الآن.

العملية الأخيرة

واقع سينمائي خاص
واقع سينمائي خاص

هؤلاء الرجال يرغبون في القيام بعملية أخيرة تكفل لهم تحقيق ثروة يتقاعدون بعدها ويعيشون حياة هادئة. في المشهد الأول الذي يستغرق 7 دقائق، نراهم يغيرون على مكتب للسكك الحديدية في بلدة في ولاية تكساس، يستولون على أكياس من القطع الفضية سرعان ما يكتشفون أنها مجرد قطع معدنية عديمة القيمة بعد أن ينجحوا في الفرار من المصيدة التي نصبها لهم “ثورنتون” (روبرت ريان) الرفيق القديم لزعيمهم “بايك” (وليم هولدن) فهو الآن يعمل تحت إمرة صاحب مكتب بريد السكك الحديدية، الرأسمالي الثري الذي يستأجره ورجاله لحماية ممتلكاته. تدور معركة عنيفة بالأسلحة النارية، يقتل خلالها عدد كبير من سكان البلدة الأبرياء، ويفر أفراد الصحبة إلى المكسيك حيث يلتقون هناك بجنرال منشق عن الحكومة المكسيكية يقنعهم بالاستيلاء لحسابه على حمولة من الأسلحة يحملها قطار في طريقه لإحدى فرق الجيش الفيدرالي، مقابل الحصول على خمسة آلاف دولار من الذهب.

هنا تصبح الصحبة المتوحشة مطاردة من طرف ثورنتون ورجال تنفيذ القانون الذين يرغبون في الحصول على مكافأة مالية ضخمة رصدتها الحكومة لمن يأتي بجثثهم، ومطاردة أيضا من جانب الجيش الأميركي، والجنرال الذي يريد أن يضمن وصول الأسلحة إليه.

تتمكن الصحبة من القيام بالمهمة، وتقوم بتسليم الأسلحة واستلام الذهب ثم تضليل ثورنتون ورجاله. هنا كان يمكن أن ينطلق الجميع بالثروة التي حصلوا عليها، لكن الجنرال المكسيكي يصر على الاحتفاظ بأحد أفراد الصحبة ومعاقبته لكونه مكسيكيا، وكان يمكن أن يغتدر أفراد الصحبة البلدة وينجون بحياتهم، خاصة بعد أن أصبح الجنرال في حماية المئات من الجنود المدججين بالأسلحة الحديثة وبالمدفع الرشاش الذي قامت الصحبة بتسليمه لهم. إلا أن هذا إن حدث يكون تخليا عن المسؤولية الأخلاقية وقيم الشهامة. لذلك يقرر الرجال البقاء وخوض مواجهة دامية حتى لو كانت المواجهة الأخيرة قبل الموت. وكأن الموت قدر لا فكاك منه، بل وربما يكون قد أصبح أيضا هدفا بعد أن لم يعد هناك هدف حقيقي في الحياة.

الصراع في الفيلم ليس صراعا بين الخير والشر، بل مع النفس، فهناك شعور بعبثية الحياة يجعل المرء يقبل على نهايته بل ويصنعها بنفسه. أفراد الصحبة يتحركون بدافع الخوف أكثر من الشجاعة. والخوف الداخلي يجعلهم لا يترددون في استخدام العنف. بعد أن تتمكن الصحبة من الفرار عقب سرقة مكتب محطة القطارات يقوم بايك بقتل أحد أفراد المجموعة الذي أصيب ولم يعد قادرا على امتطاء حصانه، وذلك دون رحمة أو شفقة أمام عيون باقي أفراد المجموعة، لكن بايك نفسه هو الذي يأسى لعاهرة مكسيكية فقيرة تعول طفلا رضيعا في المشهد الذي يسبق مشهد النهاية في البلدة المكسيكية، فيمنحها بعض القطع الذهبية.

يصمم بكنباه المشهد النهائي بحيث يجعل رجاله الأربعة يتجهون في مسيرة طويلة نسبيا (أكثر مما توحي المسافة بين موقعهم خارج الماخور وبين مقر الجنرال) وبينما هم يسيرون حاملين بنادقهم في وضع الاستعداد، على جانبي الطريق يصطف العشرات من المكسيكيين، بعضهم من الجنود والبعض الآخر من الأهالي الفقراء والأطفال، هناك من يعبرون أمام الرفاق الأربعة، من اليسار إلى اليمين، فرادى أو في ثنائيات، يتفرسون في وجوههم، وتستمر الموسيقى شبه العسكرية وكأنها مقدمة للمواجهة القادمة. في البداية يرفض الجنرال أن يترك لهم زميلهم “أنجلو” المكسيكي ثم يوافق ويتأهب الجميع لما سيحدث وهو يسوقه إليهم بنفسه، لكنه يفاجئهم بقطع رقبته بالسكين فينهال الرصاص من كل صوب وتبدأ المعركة الفاصلة التي تستمر عشر دقائق كاملة.

الطابع السياسي

مرثية كبيرة لعالم الويسترن
مرثية كبيرة لعالم الويسترن

هناك نوع من النبل في علاقة أفراد المجموعة ببعضهم البعض وولائهم لبعضهم حتى النهاية. نحن نرى مثلا كيف أن المجرم القديم ثورنتون، صديق بايك السابق قبض عليه في الماضي وقضى سنوات في السجن بعد أن تخلى عنه بايك، ثم أطلق سراحه بموجب اتفاق يتعين بموجبه أن يقبض على بايك وعصابته، إلا أنه يتقاعس عمدا عن قتل بايك عندما تلوح له الفرصة، فالرباط القديم بينهما لا يزال موجودا. وقبيل النهاية بعد أن يصل إلى البلدة المكسيكية ويرى جثث جميع أفراد الصحبة، يجلس حزينا على الأرض، يتذكر الماضي الذي كان في أسى وحزن، وعندما يطلب منه زملاؤه العودة معهم بجثث الرجال، يرفض، لكنه يقبل الالتحاق في النهاية بالعضو الوحيد من أعضاء العصابة الذي ظل على قيد الحياة مع رفاقه الثوار المكسيكيين الذين أنقذوا حياته. لقد تغير الهدف الآن، فبعد أن كان القتال في الماضي من أجل السرقة، أصبح الآن من أجل الثورة. أي من أجل هدف إنساني نبيل. وكانت هذه هي رسالة الفيلم تأثرا بسينما سيرجيو ليوني ذات الطابع السياسي.

يتضمن الفيلم جميع مفردات سينما الويسترن: السعي للحصول على الذهب سواء بالسرقة أو بالمقايضة، اللهو في أحد بيوت المتعة، الحفل الليلي وسط سكان القرية المكسيكية التي ينتمي إليها أحد أعضاء الصحبة بعد أن حصل لهم على صندوق من الأسلحة مقابل التخلي عن نصيبه من الذهب، عبور النهر بالجياد، مطاردات عبر الحدود بين تكساس والمكسيك، تفجير جسر، سرقة قطار، مونتاج متواز على محورين: الصحبة مطاردة من قوة من الجيش الأميركي، ومن ثورنتون ورجاله.. الخ

“الصحبة المتوحشة” عمل من أعمال “السينما الخالصة”، فيه يستخدم سام بكنباه أدوات السينما: الكاميرا والمونتاج والموسيقى والمؤثرات البصرية، ليس فقط لرواية قصة ذات مغزى ما، بل للتعبير عن واقع سينمائي خاص، رؤية لعالم ينتهي وعالم جديد يبدأ.

يعتمد بكنباه على التصوير بكاميرات عدة من أكثر من زاوية، للحصول على أكثر التفاصيل دقة، ويلجأ لاستخدام الحركة البطيئة في تصوير مشاهد سقوط الخيول والأفراد من أعلى البنايات ومن أعلى صهوات الجياد، ويصور في مشهد بديع تفجير الجسر وسقوط فريق ثورنتون ومعه جنود الجيش بجيادهم في النهر بالحركة البطيئة. كل هذه التفاصيل تأتينا من خلال بناء سريع للمشهد يعتمد على مونتاج دقيق يستفيد من كل تفصيل ومن كل زاوية، ويخلق إيقاعا متدفقا مليئا بالحيوية والإثارة.

ويحتفي الفيلم بالعناصر التي تميز أفضل أفلام الويسترن فيجعل أحد أهم المشاهد يدور داخل وعلى سطح قطار يحمل شحنة الأسلحة التي تنجح الصحبة في الاستيلاء عليها بعد فصل العربة والقاطرة عن العربة التي يجلس فيها الحراس، ثم دفعها إلى الخلف لتصطدم بالأخرى لتحدث الارتباك والصدمة، ثم كيف تنجح العربة التي يجرها الخيول في نقل الأسلحة عبر جسر داخل الحدود المكسيكية. ويعتبر مشهد نسف الجسر من أهم مشاهد الفيلم وأكثرها براعة من حيث التصوير أو المونتاج وهما أساس البناء في الفيلم، مع ما تضفيه الموسيقى التي أعيدت كتابتها من أجل النسخة الجديدة، من روح الجلال والرهبة والأسى على تلك المرثية السينمائية الممتعة.

Thumbnail
15