الصحة أم الحرية.. سؤال فلسفي

فلاسفة يتصدون لأفكار أندري كونت سبونفيل المثيرة للجدل واعتباره الحجر بشأن الحجر الصحي وموت المسنين.
الخميس 2020/05/14
أندري كونت سبونفيل: الصحة ليست قيمة عليا في الحياة

أيهما نختار؟ الصحة أم الحرية؟ الحجر الصّحّي ضمانا لسلامة الفرد والمجموعة، أم التمرّد عليه لممارسة حرية قد تعود على الفرد والجماعة بما لا يسرّ، وما لا يسرّ هنا موتٌ زُعاف؟ أسئلة لا تزال تؤرق المفكرين، وقد ازدادت حدّة بعد تصريحات الفيلسوف أندري كونت سبونفيل.

من الأسئلة الأخلاقية المركزية التي واجهتها الدول أثناء تصدّيها لوباء كورونا، هاجس إيجاد توازن بين ما يقتضيه دورها في حماية صحة مواطنيها، وهاجسها الاقتصادي الذي يمثل عصب الحرب، فهل تنقذ شعبها أم تنقذ اقتصادها، لاسيّما أن الحجر الصّحي عطّل عجلة الإنتاج وسلسلة التوزيع بشكل أخلّ بالدورة الاقتصادية؟

ثم تولّدت عن ذلك معضلة أخلاقية كبرى: من ننقذ إذا شحّت التجهيزات ووسائل الوقاية وانعدم الترياق؟ هل نختار فئة دون أخرى، وكلهم مواطنون يفترض أنهم متساوو الحقوق حتى أمام الموت؟ وبأي وجه حقّ نصون فئة ونضحّي بأخرى؟ ثم من يملك حق الاختيار، السّاسة أم الأطباء؟ ومن الذي يقبل أن يمنح الحياة لإنسان وينزعها عن إنسان آخر، ليتقمّص دور الذّات الإلهية، بعبارة هابرماس؟

كلّها أسئلة أثارها بعض الساسة ورجال المال باحتشام في البداية، وكأنهم يجسّون نبض الشّارع، قبل أن تعمّ مختلف الأنظمة الرأسمالية، التي تقدّم الريع على إنسانية الإنسان، ثمّ أدلى المفكرون بدلائهم، فتباينت مواقفهم بين البراغماتية والإيثيقا والنظرة الإنسانية.

آراء كونت سبونفيل

أفكار مثيرة للجدل
أفكار مثيرة للجدل

في فرنسا مثلا، برز الفيلسوف أندري كونت سبونفيل، صاحب كتاب “رسالة صغرى في الفضائل الكبرى” الذي حاز عنه شهرة واسعة، كواحد من أهمّ المعترضين على الحجر الصّحي، ليس خوفا من أن يتخذه الحاكم وسيلة لتقييد الحريات وفرض نظام شمولي، بل إدانة لحالة الهلع التي ساهم الجميع في خلقها، دون مبرر في رأيه، نظرا إلى محدودية آثار فايروس كورونا مقارنة بآثار الكوارث الأخرى كأمراض السرطان والإيدز وألزهايمر والإنفلونزا، فضلا عن ضحايا الطرقات والنزاعات والجوع والهجرة السّرّية.

 وهذا في مجمله منطقي، ولكن ما أثار حفيظة عدد كبير من الفرنسيين تصريحه في أكثر من موقع إعلامي بأن الأجدر بالحكومة رفع الحظر عن المؤسسات كافة لإعادة الدورة الاقتصادية، حتى تنقذ الشباب من أزمة خانقة قد تهدد مستقبلهم وتعود عليهم بالوبال، لأن السّواد الأعظم من ضحايا الفايروس هم مسنّون سيموتون غدا أو بعده، ما يوحي من كلامه بألا فائدة في تخصيص موارد البلاد لعلاجهم، وشلّ أنشطتها من أجلهم فهم ميّتون بطبعهم.

وأمام الاستياء الذي قوبل به موقفه، زعم كونت سبونفيل أنّ كلامه حُمِل على غير مقصده، وأنه لم يدع إلى ترك المسنّين يموتون دون علاج، بل أراد التعبير عن انشغاله بمستقبل أبنائه أكثر من انشغاله بصحته هو، وهو الذي شارف على السبعين، لأن الحجر الصحي في نظره سوف تكون له عاقبتان وخيمتان: أزمة اقتصادية معتبرة، أحدّ من أزمة 1929، وتراجع للحريات غير مسبوق في زمن السّلم والديمقراطية.

وعبّر عن خشيته من أن تؤدي عواقبُ الحجْرِ الاقتصاديةُ إلى عدد من الموتى يفوق عدد ضحايا الكوفيد – 19 خصوصا في البلدان الفقيرة. مثلما اعترض على هذه الأيديولوجيا الجديدة التي جعلت الصحة قيمة عليا في الحياةِ بدل الشرف والحبّ والعدالة والحرية… وانجرّ عنها وضع كلّ شيء بيد الطّبّ، ليس لعلاج الأمراض فقط، وإنما أيضا لإدارة حياتنا ومجتمعاتنا، ما ينذر في اعتقاده بظهور نظام صحّي قد يتحكم في المصائر والبصائر.

أفكار مضادة

الطريقة التي واجه بها العالم الجائحة دليل تطور أخلاقي للإنسانية
الطريقة التي واجه بها العالم الجائحة دليل تطور أخلاقي للإنسانية

وقد نهض لمناقشته في كل تلك النقّاط الفيلسوف فرنسيس وولف، الداعي إلى إنسانية كوسموبوليتية (راجع مقالتنا “الطوباويات الجديدة تكشف عن مستقبل الإنسانية” – العرب، 4/7/2019) ليبين أن زميله ركّز استدلاله على عدد الموتى، ولكن ليس هذا ما أفزع الناس، بل فكرة المرض المنتشر باطّراد بشكل ينذر بتفجير المنظومات الصّحّية، وما قد ينتج عنها من حرمان الآلاف من البشر من العلاج وتركهم يموتون في الشوارع كما حصل في الهند. وتساءل كيف ننظر إلى أنفسنا إذا تركنا المسنّين يموتون هكذا.

وفي اعتقاده أن الطريقة التي واجه بها العالم الجائحة هي دليل تطور أخلاقي للإنسانية، فأن يقبل ما يزيد عن نصف البشر لزوم بيوتهم لإنقاذ عدد محدود من الأرواح، ولاسيّما الأقل قدرة على الإنتاج، فذلك تأكيد على أننا نشكل مجموعة إيثيقية. أن ننقذ لا الحياة بوجه عام، بل حياة الإنسان من أشكال أخرى من الحياة، كحياة الفايروس، فتلك علامة على أن الإنسانية هي مصدر القيمة الوحيد، وأن ننقذ الكبار والصّغار معا هو أيضا تأكيد على أن لكل البشر نفس القيمة. وأن يقبل الشّبان الحجر، رغم أن نسبة موتهم فالفايروس ضئيلة إن لم تكن منعدمة، دليل على ارتباطهم ماديا بمنظومة الصحة العامة، وارتباطهم أخلاقيّا بضرورة عدم إعداء كبار السّنّ وذوي الأمراض المزمنة.

أما عن قيمة الحياة عمليا، فذكر وولف أن ثمة عدة طرق لتحديدها: قيمتها الحالية من حيث إنتاجيتها وشبابها وحيويّتها وفق الأيديولوجيا الإشهارية المعاصرة، ومن الخطورة أن نضحّي بالحيوات الأقلّ إنتاجا. ثم قيمتها الافتراضية، والعمر المتوقع الذي تمثله، ومن الطبيعي أن نجد في حياة طفل عمره خمس سنوات أكثر احتمالات افتراضية من شخص في الخامسة والثمانين، ولكن اعتماد هذا البرهان سيقودنا إلى القول إن قيمة حياة جنين أو طفل ولد توّا أرفع من قيمة شخص عمره خمسون. ثم إن القيمة متغيرة، بتغير السنّ، فشاب العشرين الذي يعيش لحظته بامتلاء لا ينظر إلى قيمة حياته من نفس الزاوية التي ينظر إليها شخص مسنّ. وقد تعتري أحدهما أو كلاهما أحاسيس متناقضة، تدفع الشّاب إلى التفكير في الانتحار، وتدفع المسنّ إلى قبول الموت الرحيم.

يقول أرييل كولونوموس، الفيلسوف المتخصص في الإيثيقا التطبيقية، الذي صدر له كتاب جديد بعنوان “تسعير الحياة”، “بالنسبة إلى الكرنتينة (الحجر الصحي، وكان يوصف كذلك بسبب عدد الأيام التي يستغرقها)، يمكن أن نقوم بعدة حسابات، من وجهة نظر منفعية (لا أتبنّاها) أبسطها الموازنة بين ‘قيمة الحياة الإحصائية‘ (وهو تصور صاغه الأميركي توماس شيلينغ، المتوج بجائزة نوبل للاقتصاد، منذ ستينات القرن الماضي، ويقوم على تسعير حياة الفرد مادّيّا) مضروبة في عدد الموتى، وبين ما تكلفه الكرنتينة للاقتصاد.
ولكننا نتناسى أن من واجب الدولة إغاثة مواطنيها، لاسيما في واقعنا الحالي حيث أرواح الناس في خطر محدق. وسواء قبلنا هذا النوع من الحسابات أم لا، فإن الوباء يفرض إيجاد توازن بين الأخلاق “الديونتولوجية” للإغاثة و”الإيثيقا المنفعيّة للعواقب”.

صحيح أن الإنسان مدنيّ بالطبع، وأن حياة العزلة شذوذ وانحراف لأن الخيرات الممكنة لا تتأتى لمن ينفرد بنفسه، فالناس هم الذين يكمّلون فيه ذاته الفردية وهم الذين ينمّون فيها استعداداته الإنسانية، ولكن ما قيمة حريته إذا كانت على حساب الآخرين، خصوصا أولئك الذين هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة، فقد كانوا بناة هم أيضا نشطين فاعلين، قبل أن يُردّوا إلى أرذل العمر.

15