الصحة التونسية قطاع "يحتضر" مع تداعيات وباء كورونا

سهيل العلويني: "لابد من حوار مجتمعي للصحة لوضع الاستراتيجية القادمة".
الأحد 2020/11/29
ظروف عمل صعبة

تعاني الصحة التونسية من قصور في الموازنات المالية وغياب الإرادة السياسية للمراجعة والإصلاح، ما أفضى إلى مزيد تراجع  القطاع الحيوي وحال دون تطوير المنظومة الصحية في البلاد، وسط دعوات شعبية متتالية لإصلاح القطاع خصوصا مع تداعيات وباء كورونا الذي  كشف المستور وجعل البلاد من بين البلدان الأقل إنفاقا في المجال.

تونس - تزداد مخاوف التونسيين من سيناريو انهيار المنظومة الصحية التي تعاني نقائص عدة بالتوازي مع أزمة تفشّي وباء كورونا المستجد، ويرى خبراء الصحة أن تحديث المستشفيات العمومية بات ضرورة ملحة تستوجب إرادة سياسية على الرغم من الأزمة الاقتصادية.

وأفاد رئيس لجنة الصحّة السابق بالبرلمان والطبيب سهيل العلويني، أن"موازنة وزارة الصحة لا ترتقي إلى المستوى المطلوب وتبلغ حاليا قرابة 6 في المئة من ميزانية الدولة..وعلينا أن نصل إلى حدود 7  في المئة من أموال مخصصة للصحة لتحسين إمكانيات المستشفيات والهياكل التي تتبعها (الصندوق الوطني للتأمين على المرض)".

وأضاف في تصريح لـ"العرب"، "ميزانية وزارة الصحة تأتي في المرتبة الرابعة بعد الدفاع والداخلية والتعليم، وتعتبر وزارة سيادية وهذا ما اكتشفناه بعد أزمة كورونا، وعلى السلطات مراجعة هذه الميزانية وتفادي النقص الحاصل والارتقاء بها لنصل على الأقل إلى نسبة 8 في المئة  كأقل نسبة ممكنة للإصلاحها".

وتابع "المهم إصلاح المستشفيات العمومية الآن كإجراء طارئ، ولابد من حوار مجتمعي للصحة لوضع الاستراتيجية القادمة".

وتواجه الصحة التونسية أزمة غير مسبوقة مع انعكاس تداعيات كورونا التي رمت بظلالها على وضعية المستشفيات العمومية بالبلاد بسبب ضعف الإمكانيات والتجهيزات، حيث كشف تفشي الوباء حجم النقائص التي تعتري المنظومة الصحية في البلاد واختلال الخدمات الاستشفائية بين مدنها رغم وعود الحكومات منذ ثورة يناير 2011 بالتدارك.

وتضمن مشروع قانون ميزانية وزارة الصحة لسنة 2020 ، تخصيص اعتمادات بقيمة 330 مليون دينار تونسي لفائدة مختلف المشاريع والبرامج منها 29.9 بعنوان نفقات تنمية لفائدة مختلف المؤسسات العمومية غير الإدارية.و ككل ميزانيات الوزارات، تذهب أكثر من 80 في المائة من ميزانية وزارة الصحة إلى نفقات الأجور والتصرف.

وكشف تقرير لمنظمة أوكسفام أن تونس من بين البلدان الأقل إنفاقا في مجال الصحة، ما يضع السلطات التونسية أمام ضرورة التسريع في إصلاح القطاع  ووضع استراتيجيات واضحة المعالم والأهداف لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،مشيرا إلى أن تونس غير قادرة على مجابهة صدمة بحجم صدمة كوفيد - 19.

وأظهر تقرير المنظمة ومؤسّسة التّمويل الإنمائي أنّ أغلب البلدان، غير مجهّزة على الإطلاق للتّعامل مع وباء كوفيد - 19 وذلك بسبب تدنّي مستوى إنفاقها في مجال الصحّة العامّة، وضعف منظومة الحماية الاِجتماعية لديها، وتردّي وضع حقوق العمّال.

ويصنّف مؤشّر الاِلتزام للحدّ من اللاّمساواة 158 دولة وفقا لسياساتها في مجالات الخدمات العامّة والضّرائب وحقوق العمّال، وهي ثلاثة مجالات رئيسيّة للحدّ من اللاّمساواة ومقاومة أزمة فايروس كورونا.

وتحتلّ تونس المرتبة 48 من أصل 158 دولة اِعتمادا على نفس المؤشّر. ومع ذلك، فقد سلّط وباء فايروس كورونا الضّوء على الاِرتفاع الصّارخ في اِنعدام المساواة.

وحول الإنفاق العمومي، تحتلّ تونس المرتبة 94، حيث انخفض منذ عام 2011 مستوى الإنفاق العمومي في تونس على التّعليم والصحّة بشكل كبير، من 26.6 في المئة إلى 17.7 في المئة للتّعليم ومن 6.6 في المئة إلى 5 في المئة للصحّة من الميزانيّة الإجمالية.

وفي ما يخصّ نفقات الصحّة رتّبت تونس مع الدّول الأقلّ إنفاقا على القطاع وصنّفت بالمرتبة 146، أي بين أسوأ 13 دولة، حيث أنّ ربع المتساكنين لا يتمتّعون بتغطية صحّية شاملة وهو ما يثير القلق نظرا للحالة الوبائية في البلاد.

وأوصت أوكسفام لبناء قدرة تونس على التّأقلم ومواجهة الأوضاع الصّعبة بتطوير مقترحات سياسية بديلة والاِبتعاد على سياسات التقشّف الّتي تدفع بها الهيئات المالية الدّولية، وفرض ضريبة تصاعديّة على الثّروة وعدم الاِعتماد كلّيا على الضّرائب غير المباشرة.

ودعت إلى زيادة الاِستثمار العمومي والإنفاق على الخدمات الأساسية، بالأخصّ الصحّة لكي يصبح الانفاق العمومي عليها 15في المئة من الميزانية العامّة، من أجل سدّ الفجوة بين الخدمات الخاصّة والعموميّة وسدّ ثغرات أوجه التّفاوتات الجهويّة.

كما أوصت بإصلاح مجلّة الشّغل في تونس لكي تتوافق مع المعايير الدّولية، خاصّة من حيث حقوق العمل للنّساء، وتنفيذ وتطوير سياسات تشغيل فعّالة من أجل إشراك القطاع غير المنظّم في مكافحة البطالة.

نقص حاد في الأجهزة الاستشفائية
نقص حاد في الأجهزة الاستشفائية

وتشكو المنظومة الصحية في تونس تدهورا حادا في البنية التحتية والخدمات الصحية والأجهزة الاستشفائية، تعمق بعد ثورة 2011 مع تعاقب حكومات أهملت الاعتناء بقطاع الصحة العمومية متعللة بالأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد بعد الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

وحسب تقرير أصدرته الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة، يبقى عدم المساواة في الخدمات الصحية العائق الأكبر. حيث أن سكان الجنوب والوسط يشتكون من عدم ولوجهم إلى مرفق صحي قريب، وإذا ما بلغوه فإنه لا يتكفل بتلبية حاجياتهم ولا يلائم تطلعاتهم.

ويرى بدرالدين قمودي رئيس لجنة الإصلاح الاداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد "أن هذا المؤشر ليس بالغريب لأن المرافق  الصحية تحتاج إلى مراجعة وتطوير عبر بناء مجموعة من المستشفيات العمومية والجامعية في عدة مناطق تشهد مؤشر تنمية ضعيف".

وأضاف القمودي في تصريح لـ"العرب"، "المنظومة الصحية تشهد نقصا في الموارد البشرية باعتبار القروض التي يسندها البنك المركزي ويشترط جملة من الشروط أبرزها التقليص في اليد العاملة،  فضلا عن هجرة الأطباء وافتقار المستشفيات للكفاءات المتخصصة التي تفضل  الإغراءات المادية وظروف العمل الأفضل في  الخارج".

وأشار النائب البرلماني إلى "أن الوضع يتطلب مراجعة، وهناك اختلال في التوزع الجغرافي للمرافق الصحية بين الجهات الساحلية والداخلية، حيث تعاني (الجهات الداخلية) الأمرين وهو ما يتطلب الترفيع في الميزانية وعلى السلطة التنفيذية أن تعي بهذا الأمر، ووافقنا على رصد 70 مليون دينار لولاية (محافظة ) سيدي بوزيد لبناء مستشفى جامعي".

وأمام الوضع المأزوم بسبب تفشي الوباء، التجأت السلطات إلى الاقتراض مجددا وإعطاء القطاع الصحي الأولوية القصوى، عن طريق القروض الخارجية والهبات والمساعدات عبر صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي وغيرهما، لكن هذه الخطوات تبقى منقوصة  وذات صبغة ترقيعية، ما يدفع نحو إغراق البلاد بالهبات والقروض وتفاقم الوضع الصحي دون مراجعة أو إصلاح.

وأفاد  وزير الصحة السابق سعيد العايدي في تصريح لـ"العرب"، "الصحة التونسية تنقصها البرمجة والتخطيط والموارد البشرية، ما يتطلب إصلاحا عميقا باسترجاع الكفاءات الطبية وشبه الطبية، حيث لاحظنا نوع من التسيب في السنوات الأخيرة".

وأضاف العايدي"أعتبره قطاع سيادي بامتياز، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار النمو الديمغرافي في الإصلاح لكي نضمن للمواطن حقوقه الأساسية".

وأعلنت وزارة الصحة بتاريخ 28 نوفمبر الحالي تسجيل 47 وفاة و1.210 إصابة بالفايروس.

وقالت وزارة الصحة، في بيان لها، السبت، إن إجمالي الوفيات ارتفع إلى 3153 حالة. وأضافت أن عدد الإصابات الجديد المسجلة في اليوم ذاته، بلغ 1.210 ليرتفع الإجمالي إلى 94 ألفا و980.

وبينت أنه يتم حاليا التكفل بـ 1432 مصابا بفايروس كورونا المستجد بالمستشفيات، مشيرة إلى أنه يقيم حاليا 299 مصابا بأقسام العناية المركزة بالقطاعين العمومي والخاص، في حين يخضع 125 مصابا إلى التنفس الاصطناعي.

وتحاول تونس التي تعاني من أزمة اقتصادية حادة عمّقتها تداعيات الإغلاقات المتكرّرة جراء جائحة كوفيد – 19، دخول السباق نحو اقتناء لقاح مضاد للفايروس على مدى سنتين.

وقال وزير الصحة التونسي فوزي مهدي، في وقت سابق من الشهر الحالي، إن الحكومة تسعى لتوفير 4 ملايين جرعة من اللقاح المضاد لفايروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) بمجرد تسويقه بدءا من عام 2021.

وأوضح الوزير أن تونس باعتبارها عضوا في المؤسسة العالمية "كوفاك" تعمل بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، على توفير 4 ملايين جرعة على مدى سنتين، مشيرا إلى أن “لدى وزارة الصحة الإذن باقتناء الكميات المحددة”.

وانكمش اقتصاد البلد المعتمد على السياحة 21.6 في المئة في الربع الثاني من 2020 مقارنة مع مستواه قبل عام، إذ تضرر بشدة من حظر السفر المفروض لكبح انتشار فايروس كورونا.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض الاقتصاد التونسي بنسبة 7 في المئة هذا العام وأن ينتعش بنسبة 4 في المئة العام المقبل وبنسبة متواضعة تقدّربـ3 في المئة في السنوات التالية. وأيا كان ما يوصي به صندوق النقد الدولي لتونس في الأشهر المقبلة، فإنّ توصياته السابقة لم تُسمع حتى الآن.

وتعتبر ميزانية الوزارة ضعيفة، ولايمكن أن تصلح قطاع الصحة المنهار أو إعادة تهيئة المؤسسات الطبية وتطبيق نظام صحي جديد أو تطبيق استراتيجية تقوم على تحديث القطاع الصحي في تونس.

وتعادل الاعتمادات المرصودة لخلاص الدين العمومي أكثر من 4 أضعاف ميزانية وزارة الصحة وهو ما يعطي صورة حقيقية عن الوضع المالي للبلاد، ما يعسر مهمة الحكومات في الاصلاح والبناء من جديد.