الصحراء تزحف على مزارع تونس الخضراء

بينما توجه الحكومة التونسية أولويات اهتمامها إلى المشاغل السياسية والأزمات الاقتصادية والتعقيدات الاجتماعية، ويركز إعلامها على القضايا التنموية والتباينات الاجتماعية، فإن هناك تحديات أخرى لا تقل أهمية، بل إن اعتبارها قضايا درجة ثانية سيعمق من الأزمات الرئيسية التي تحظى بالاهتمام الراهن، من ذلك أزمة التصحر الذي يزحف على المناطق الخضراء والمزارع في البلاد والتربة الخصبة التي بدأت تفقد الكثير من خصائصها الزراعية ما ينذر بأزمات خطيرة في المستقبل، وفق ما كشفه تحقيق ميداني أعده سايمون سبيكمان كوردال الصحافي المتخصص في شؤون البيئة في صحيفة الغادريان البريطانية تحدث فيه عن معركة تونس القادمة مع الصحراء وتربتها التي قد تتحلل بسبب الجفاف.
الأربعاء 2017/11/01
ريف تونس مهدد بالتحول إلى صحراء

تونس – زيكا الكلمة اللاتينية التي تعني الماء النضر والصافي، تلك هي التسمية الأولى لمدينة زغوان التونسية التي ارتبط تاريخها بالماء. تقول الحكاية إنه في سنة 128 ميلادي عرفت قرطاج جفافا مدمرا وقد استنفد أهاليها كل المياه التي كانوا يجمعونها في الخزانات الحجرية. وهنا قرر الإمبراطور الروماني أدريانوس بناء الحنايا لجلب الماء إلى قرطاج.

من العين التي تتدفق تحت معلم المعبد في جبل زغوان الشامخ تنطلق الحنايا إلى قرطاج في رحلة عجيبة تمتد على مسافة 132 كم لتوري عطش مدن تونس وقرطاج وباردو. لكن اليوم تبدو مدينة الماء على مشارف العطش، حيث تجف الآن المياه حول ينابيع زغوان وإذا لم يتم اتخاذ إجراءات في وقت قريب ستجف الأرض من حولها.

والأمر، كما لاحظ سايمون سبيكمان كوردال، لا يتعلق فقط بينابيع زغوان وعيونها، بل يتعداها ليشكل خطرا عاما. ويستشهد كوردال في هذا السياق ببحث أعدته سارة التومي، رئيسة ومؤسسة جمعية أكاسياس فور أول، وهي مؤسسة اجتماعية تهدف إلى دراسة تحول ريف تونس إلى صحراء قاحلة.

جاء في دراسة سارة التومي أن “95 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة في طريقها إلى التصحر. وهناك أقل من 1 بالمئة من المواد العضوية الخصبة التي تركت في التربة، وهذا يعني أنها فقيرة حقا، ويمكن أن تتحول إلى صحراء بمنتهى السهولة. وبحلول عام 2030 ستتسع البقعة الصحراوية إذا لم نفعل شيئا”.

أسباب التصحر في تونس

يرصد الخبراء العديد من الأسباب التي قادت إلى ارتفاع ظاهرة التصحر في تونس. ويشرح عادل الهنتاتي، الخبير في البيئة في تصريحات لـ”العرب” أن “الانجراف يتسبب سنويا في تونس في إتلاف 10 آلاف هكتار من الزراعة الخصبة، وكنتيجة للانجراف المائي عن طريق السيول”. ويشير الهنتاني إلى أن “الأرض في تونس فقدت غطاءها العشبي والنباتي عن طريق الري الجائر وسوء استغلال الأراضي الجافة”. وأوضح أن “عامل الانجراد كذلك يزيد من مشكل التصحر، ويتمثل في الرياح القوية حيث تحمل الرياح معها المواد الخصبة للتربة”.

ولفت إلى أن “المناطق الجافة بجنوب ووسط البلاد تعاني من الكثبان المتحركة، إضافة إلى ري الأراضي بمياه مالحة”. وأضاف أن “الري غير الرشيد بالمناطق الجافة عن طريق استعمال مياه مالحة يؤدي إلى التملح في المناطق السقوية وهو من أهم أسباب التصحر”.

95 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة في تونس مهددة بالتصحر

ويشير خبراء إلى أن ندرة الأمطار في الآونة الأخيرة زادت من ظاهرة التصحر، إضافة إلى الاستعمال المفرط للمياه من قبل العاملين بالمجال الفلاحي، حيث بلغ معدل استهلاك القطاع الفلاحي للماء 3600 مليون متر مكعب، وهو معدل في ازدياد خاصة بعد التوجه النسبي من قبل الدولة لهذا القطاع والتعويل عليه للنهوض باقتصاد البلاد من خلال التشجيع على الاستثمار فيه وما نتج عنه من انتشار مكثف وعشوائي للآبار الجوفية واعتماد أساليب بدائية في الري.

ويفاقم الاستغلال السيء للمياه من هذه الظاهرة لدى المواطن وفي المجال السياحي كذلك، فالسياحة أيضا من القطاعات المستهلكة للمياه خاصة في تعبئة المسابح. كما يعتبر الاستغلال السيء للأراضي الفلاحية من أسباب أزمة المياه في تونس، فضلا عن تمدد البناءات على حساب الأشجار والنباتات ما ينجر عنه نقص في عملية التبخر وبالتالي نقص في نسبة الأمطار فيؤثر ذلك سلبا في مخزون المياه الجوفية.

ومن مسببات هذه الأزمة أيضا الاستغلال السيء للمياه من قبل المواطن في الاستعمال المنزلي، والذي قوبل ببعض السياسات الخاطئة من قبل الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه، اقتصرت على رفع سعر المياه وبعض البلاغات التحسيسية الموسمية.

وأصبحت معالجة هذه الظاهرة أكثر شمولية نتيجة العلاقة القائمة بين المسائل الاجتماعية والاقتصادية وكذلك المواضيع البيئية الهامة وهي التغيرات المناخية والتنوع البيولوجي. وأثبتت الدراسات مدى تأثير التغيرات المناخية وظاهرة تدهور الأراضي الزراعية، وتملّح التربة والاستغلال المفرط للمياه، على الأمن الغذائي.

كما تتعرض المزيد من الأراضي لظاهرة التصحر التي تزداد حدتها بفعل التغيرات المناخية، إلى جانب العوامل البشرية المرتبطة بالإفراط في استغلال الموارد الطبيعية، فضلا عن التوسع العمراني.

واعتمدت تونس، التي انضمت إلى المعاهدة الأممية في 1995، برنامج العمل الوطني لمواجهة التصحر كإطار استراتيجي لإدماج المخططات والبرامج القطاعية.

وأشار وزير البيئة والتنمية الأسبق نجيب درويش في تصريحات سابقة إلى أن “مكافحة التصحر تتطلب تشكيل منظومات بيئية عالية المردود”، لافتا إلى أن “تزايد السكان يمثل أحد أكبر التحديات في مواجهة التصحر وأنّ الحاجة إلى مصادر الطاقة البديلة ترتفع مع زيادة مستويات الانحباس الحراري“، مؤكدا على “ضرورة الحفاظ على الموارد البيئية والمائية والطبيعية من أجل مكافحة هذه الظاهرة”.

ودعا نجيب درويش إلى “ضرورة اعتماد خطة جديدة للتنمية لها صلة وطيدة بالتنمية المستدامة في ظل تحديات التغيرات المناخية، مبينا أن العمل على تطوير المؤشرات البيئية وتأسيس نظام التقييم على المدى المتوسط وتشكيل هيكل للسياسات وتعزيز نظام التعاون والشراكة بين الدول والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، وتقاسم الخبرات الناجحة في هذا المجال، وتقييم التطور الذي حققه المجتمع الدولي في مجال مكافحة التصحر يعد من الأولويات”.

عادل الهنتاني: تملح في المناطق السقوية من أهم أسباب التصحر والإضرار بالتربة

واعتبر أن “التصحر يشكل أحد أكثر التحديات العالمية تعقيدا اليوم مع تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية تؤثر تأثيرا مباشرا على الأفراد والمجتمعات”، وقال “إن تكلفة التصحر الاقتصادية والاجتماعية عالية، وهو ما يحتم تضافر الجهود والاستئناس بالتجارب الناجحة لمعالجة آثاره، واتخاذ التدابير اللازمة للقضاء عليه”.

ورغم محاولة الحكومة التونسية إعطاء الأولوية لمحاربة التصحر عبر تخصيص موارد كافية لهذا الغرض، والقضاء على أسبابه مع إيلاء عناية خاصة للعوامل الاجتماعية والاقتصادية وإدخال الإصلاحات الضرورية في إطار سياسات وبرامج عمل جديدة على المدى البعيد مع اعتماد برنامج عمل وطني لمكافحة التصحر، فإن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعصف بالبلاد تربك من مجهوداتها، حيث انضمت إشكالية التصحر إلى باقي التحديات التي على عاتقها.

محاولات تونسية لمواجهة التصحر

تشير صحيفة الغارديان إلى أنه بالنسبة إلى تونس ما بعد الثورة، وفي ظل معاناتها من التوتر الاجتماعي، وارتفاع معدلات البطالة، والاقتصاد الضعيف، إلا أن القطاع الزراعي مازال منتعشا، إذ يمثل 14 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي للدولة، وتعمل نسبة 20 بالمئة من الأيدي العاملة به.

وفي داخل تونس يأخذ التصحر أشكالا مختلفة تتراوح بين التعدي التدريجي على الصحراء من جنوب البلاد، واستنزاف الموارد الطبيعية للأراضي من خلال الإفراط في الزراعة في شمالها. في كلتا الجبهتين، تلعب مؤسسة “أكاسياس فور أول” دورا داعما من الناحية المالية، فالمؤسسة تساعد السيدات المحليات في تشكيل الجمعيات الزراعية التي من شأنها أن تسمح لهن بزراعة محاصيل جديدة، مثل “بازلاء أكاسيا”.

وبالنسبة إلى تومي، التي تمتلك الجنسيتين الفرنسية والتونسية، فإن الشخصية تسبق الجنسية. فقبل ست سنوات، عندما رأت أن مزرعة التمر الخاصة بأجدادها بالقرب من مدينة صفاقس الساحلية قد أصابها التصحر، استفادت من خبرتها التي اكتسبتها من خلال شبكة علاقاتها بطلاب البيئة في باريس. تقول تومي “لم يؤمن أحد بي في البداية، باستثناء عدد قليل من السيدات. لذلك، بدأت حملة التمويل الجماعي التي وصلت إلى 3 آلاف يورو. واستخدمت هذا الدعم لإنشاء مشتل زراعي لزراعة أشجار السنط، والتي ساعدني في زراعتها هذه المجموعة من السيدات”.

الآن، وبالإضافة إلى زراعة السنط، يشارك فريق تومي في تشجيع العودة إلى زراعة الورد البلدي بتونس، فضلا عن تنظيم إنتاج المحاصيل الأخرى بما في ذلك المورينغا والزيتون واللوز.

هذه المحاصيل لا تحتاج إلى الأسمدة الصناعية، وكلها عندما تُخمر وتُغطى بعد الحصاد، ستساعد على تجديد التربة التي تحملها. يشارك الآن حوالي 300 مزارع بمؤسسة “أكاسياس فور أول” في جميع أنحاء تونس للمساعدة على نشر المخططات التي من شأنها أن تساعد في الحفاظ على التربة الزراعية من التدهور والتي لطالما قدمت لإمبراطورية روما لقمة العيش. وبالنسبة للسيدات المشاركات في المؤسسة، فالعمل بالنسبة لهن بسيط. ففي مقابل زراعة المحاصيل الجديدة، فإن المؤسسة توفر لهن الأشجار، وتسلحهن بالتدريبات اللازمة حول كيفية الزراعة والحصاد، كما تضمن المؤسسة أن تُباع المنتجات في المحلات التجارية التي تعاقدت معها تومي وفريقها.

وبمجرد إنشاء هذا النظام، فهذا من شأنه أن يتيح للسيدات فرصة شراء المزيد من المحاصيل، والمعدات اللازمة للزراعة، وبذلك سيحصلن على الاستقلال المالي الذي يأتي من المشاركة في أعمال تجارية ناجحة.

وفي زغوان، تتزعم نجية بن زيد، طبيبة بيطرية متقاعدة، فرع مؤسسة “أكاسياس فور أول” وتمتلك حوالي 1300 شجرة زيتون بالقرب من مدينة الفحص، على بعد أميال قليلة من زغوان. ويرجع تواجد المؤسسة في المنطقة إلى بن زيد، التي بمجرد أن استمعت إلى تومي تتحدث في مؤتمر زراعي، حتى بدأت تتبعها وأقنعتها بزيارة المنطقة.

تقول بن زيد “أحببت النهج المبتكر لهذه المؤسسة، وفكرة إدخال محاصيل جديدة لا تحتاج في زراعتها إلى الكثير من الماء. كانت فكرة التعاقد جيدة أيضا. أحببت فكرة أن أحصل على سعر ثابت لأي شيء أزرعه. وهذا ينطبق على الجميع في الجمعية”.

وفي بساتين الزيتون بمدينة الفحص انضمت نعيمة جبالي، مزارعة أخرى، إلى بن زيد وتومي وفريقها. وكلما تجمعت الغيوم العاصفة على أشجار الزيتون، يتفقدن بقع المورينغا الصغيرة التي زرعنها بين أشجار الزيتون في أغسطس الماضي كاختبار.

ويأملن أن يزدهر محصول المورينغا وينمو في هذه الفجوات الصغيرة بين الأشجار ويمتد بجذوره في التربة ليصمد أمام الرياح التي تهب في المنطقة.

وتبعد مزرعة جبالي بضعة أميال، وهي تشارك أيضا في البرنامج الترويجي للجمعية. وتشرح جبالي بأنه في الماضي كان عليها أن تسلم كل المحصول لزوجها حتى يتمكن من بيعه، ولكن الآن يتم بيعه من خلال الجمعية. تقول جبالي “كنت أعرف عن التصحر. إذا لم يتم العمل على الأرض بشكل صحيح، فإنها تتحلل. نعمل بالزراعة ونعرف ذلك جيدا”.

12