الصحراء في تجربة الشعر الإماراتي المعاصر

الأحد 2014/05/11
شاعرية صحراء ليوا- لوحة من معرض فوتوغرافي للشاعر نوري الجراح تحت عنوان "حيثما عن للريح أن تهمس 2010"

أي دارس لموضوع الصحراء في تجربة الشعر الإماراتي المعاصر، لا يمكنه إنجاز هذه المقاربة من دون تناولها في إطار علاقة الكائن الإنساني بالمكان على المستوى الوجودي والنفسي والروحي، باعتبارها جزءا أساسيا من تلك التجربة، سواء تجلى حضور الصحراء في هذه التجربة بصورة مباشرة، أو من خلال البنية الاستعارية للنص، والدلالات والمعاني الرمزية الموحية له، إذ ليست الصحراء مجموعة من التضاريس والرمال الممتدة، والأفق المفتوح على الصمت والوحشة والزرقة الطليقة، بل هي مكان معاش وذاكرة لحيوات ووجود إنساني مندمج معها، ومسكون بها، كما هي مسكونة به، وكذلك مدى مفتوح على الخيال والتأمل.

من هنا نجد حضورها في هذه التجارب يتنوع من حيث دلالاته ومعانيه مع تنوع تلك التجارب الشعرية وتعددها، وطبيعة الرؤية الجمالية التي تتشكل تلك العلاقة معها، ومن خلالها، إذ قد يقترن حضورها في بعض هذه التجارب مع البحر، من خلال رؤية ثنائية تقوم على المقابلة والتعارض بسبب المعاني المختلفة التي يحملها كل منهما، في حين تظهر عند البعض الآخر بوصفها رمزا يكتسب دلالاته من خلال اندماجه في بنية النص الكلية، أو باعتباره مكونا من مكونات الصورة الاستعارية، التي تكتسب دلالاتها من خلال حركتي الشعور والنفس، اللتين يسقطهما الشاعر على المكان، كاشفتين في عمقهما عن رؤية الشاعر إلى الذات والعالم، في جدل العلاقة القائمة فيما بينهما. ليست الصحراء حيزا مكانيا نعيش به وحسب، بل قد تغدو مفتاح الدخول إلى عالم التجربة، واكتناه معانيها ومضامينها الإنسانية، الوجودية والروحية، لا سيما وأن الصحراء عالم يمتلك شروطه الطبيعية وسماته الخاصة، التي يمكن أن تكتسب من خلالها صفاتها الرمزية الدالة على التيه والضياع أو اللامتناهي أو المحو( حركة الرمال الدائمة)، أو العقم أو العري، لكنها قبل هذا وبعده، تبقى هي المدى المفتوح على التأمل والأبدية والصمت واللامتناهي.


معجم الصحراء


قبل تقصي أشكال حضور الصحراء في تجارب الشعراء لا بد أولا من تناول المعجم الشعري للصحراء في هذه التجارب باعتباره عتبة أولية يمكن العبور منها نحو المتن الشعري للتجربة، إضافة إلى أن هذه المعجم يمكن أن يعكس من خلال كثافة حضوره، أو العكس طبيعة العلاقة مع هذا المكان ومدى استيحائه والتفاعل معه، حيث يشي بغناه أو بمحدودية ظهوره، وفي كلتا الحالتين يعكس طبيعة علاقة الشاعر مع المكان الصحراوي الذي ينتمي إليه، ويستلهم روحه ومعانيه على مستوى تجربته الوجودية والإنسانية وعلاقته مع العالم الذي ينتمي إليه. إن محاولة البحث في هذا المعجم تقودنا بداية إلى ملاحظة محدودية هذا المعجم، من حيث عدد المفردات المستخدمة، التي تحيلنا على عالم الصحراء( الرمل أو الرمال- السراب- الكثبان- الصحراء- العقارب).

الصحراء ذاكرة حية للمودة والألفة والحب

إن الدلالة الأولية لمحدودية مفردات هذا المعجم، تعكس محدودية العناصر التي تتكون منها تضاريس الصحراء من جهة، ومن جهة أخرى تكشف عن تجربة لم تستطع أن تحفر في ذاكرة المكان عميقا، وأن تستبطن كينونة هذا الوجود المفتوح على الصحراء بمعانيه الجمالية والوجدانية، وربما كان الشاعر أحمد راشد ثاني هو أكثر الشعراء الإماراتيين، الذين حاولوا العمل على هذا الجانب في تجربته، ما جعل الصحراء تحتل مساحة واسعة في تجربته، وإن كان من الصعب عزلها عن تلك الثنائية الضدية التي اتخذتها في علاقتها مع البحر بوصفه العالم النقيض لها. لاشك أن التحولات السريعة التي شهدتها دولة الإمارات، في العقود الأخيرة من تاريخها، ونهوض المدن الحديثة وتوسعها على حساب الصحراء، وما خلقته من أنماط حياة جديدة وعصرية تمثل واحدة من الأسباب المباشرة لتراجع حضور هذا العمق الوجودي للعلاقة مع الصحراء، واستيحاء معانيها المشكلة لكينونة الذات، في توحدها مع المكان بوصفه مداها المفتوح على عمق حضورها الوجودي وعلى تاريخها المديد.


الصحراء نهاية الأناشيد


على الرغم من أن ديوان الشاعر إبراهيم الملا الأول، يحمل عنوانا مكانيا يتضمن اسم الصحراء، إلا أن الصحراء بتجلياتها ودلالاتها الرمزية والروحية الموحية، لا تظهر إلا في نصوص ديوانه الثاني “تركت نظرتي في البئر”، ما يشكل مفارقة ظاهرة، بسبب ارتباطها بالأماكن التي كتبت فيها نصوص الديوان والموزعة على مدن كثيرة من مدن العالم كما يشير الشاعر إلى ذلك في مقدمة الديوان. تتخذ الصحراء معانيها ودلالاتها على المستوى الوجودي من خلال علاقة الإنسان بها، وتوحده معها، بوصفها أرض السكون المطلق والصمت والمنفى، التي يوغل الكائن فيها بعيدا عن صخب العالم وأحزانه، لا لكي يتحرر من كل هذا، بل لكي يتوحد مع مصيره الحزين وانكسارات روحه الفاجعة في عمق هذا السكون الشامل، حيث يستخدم الشاعر تكرار الاستهلال للفعل الماضي تأكيدا على عمق الحضور الشعوري للتجربة عند أبطالها، إضافة إلى تكرار المعين المكاني للتأكيد على علاقة الشخصيات بالمكان:


ذهبوا إلى الصحراء

وكانوا صائمين عن الكلام

ذهبوا إلى أبعد من الصمت

هناك حيث الرمال المنفية

والنحت المتلاشي للرياح

هناك في منتصف الغروب تماما

وفي قلب السكون المطلق سمعوا ولآخر مرة

صوت التكسّرات العميقة لأرواحهم.


تغدو الصحراء في نص آخر للشاعر ذاكرة حية للمودة والألفة والحب، قبل أن تطالها يد التغيير، وتفقد وهج حضورها في تجربة الإنسان الوجودية، على الرغم مما تتصف به من معالم القسوة والخوف والخطر. إنها المعاني الجميلة التي ما تزال ماثلة في حنايا الناس وذاكرة وجودهم:

الصحراء تولّد في الذات معاني الخصب والجمال والحياة


خلفنا الصحراء

وذهب يتعرج في الأخاديد

هدوء كأنه تمثال في القيعان

تجوس الغفلة قبل أن تفلت

ومن الذئاب أن تتحرش بنومنا

ومن الأحزان والعقارب

وفي الرمل الجمرات الباقيات

ومن المودة التي تيبست

قبل أن ترحل.


لكن الصحراء تغدو رمزا للجمال والفرح، وعنوانا للحب والارتباط العميق لوجود الكائن بها، حيث يستعيد جانبا من الأساطير الشعبية التي كانت تربط بين سقوط النجم وموت الإنسان، بصورة تدلل على وحدة هذا الوجود، وتكشف عن مدى اندماج مصائر كائناته الإنسانية به، في هذا التناغم الكلي بينه وبين الإنسان:


لو تزول نجمة من برجك

يموت رجل وحيد في الظلمات

قمرك خلف العباءات المسرفة

قمرك نرد الآلهة لا يسقط

قمرك عندما يزول

نموت بخفة عالية

قلوبنا تترمل.


ثنائية الصحراء والبحر

تحضر الصحراء بكثافة في تجربة الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني، يصبح معها من المتعذر الوقوف على دلالات معانيها الرمزية، بمعزل عن علاقة التقابل القائمة على ثنائية البحر والصحراء، وما تشي به من مضامين تظهر انحياز الشاعر للبحر بوصفه مصدر الحياة والخصب والتجدد، على عكس الصحراء الدالة على العقم والجدب والضياع. من هنا فإن خطاب الصحراء في هذه التجربة يحيل على مخزونها الدلالي والرمزي النابع مما تمثله طبيعتها الخاصة، في حين أن خطاب البحر يتخذ منحى مختلفا ينبع من المعاني الرمزية الخاصة، التي يمثلها على مستوى الحياة والوجود، وهو ما نلحظه من خلال تكرار استخدام الشاعر لأفعال الطلب، التي تتخذ منحيين مختلفين، من حيث الاحتفاء برمزية الماء بمسمياته المتعددة( البئر- الغيم- النبع- البحر) ودعوته للتقدم، مقابل دعوة الصحراء للانكفاء بعيدا عمّا يحمله كل منهما من معان رمزية تمثل نقيضا للآخر:

الصحراء تولّد في الذات معاني الخصب


أُجلِس البئر إلى جانبي

وأعد الشاي للوقت

ابتعدي أيتها الصحراء

وتقدم بثياب أمواجك الخفيفة أيها البحر.


إن تلك المعاني العميقة للحياة، كما تتجلى في خطاب الشاعر تظهر توحد الشاعر مع الحياة، من خلال رمزية ( النبع) بوصفه مصدرا للحياة والخصب، ونقيضا لعالم الصحراء بما تمثله من جدب وموات وعقم، يجعل خطاب الحياة عنده ممثلا بأنا المتكلم يقتحم عري هذا الفضاء وليله، من أجل تأثيث فضائها المقفر بكل ما يبعث الحياة والخصب ويحقق قيامتها العظيمة الحياة لكي تنتصر على الموت. ولا يكتفي الشاعر بالتعبير عن حلم الحياة الذي يمثله، بل هو يسعى للتحرر من إرثها الثقيل، والانفتاح على مشهد الحاضر الجديد الذي يروم تحققه. إن استخدام الشاعر للكثافة التكرارية لأفعال الطلب في خطابه الموجه للصحراء، بقدر ما يكشف عن رغبة الشاعر القوية، في رؤية الولادة الجديدة للحياة، فإنه يعبر عن عمق الحالة الشعورية المسيطرة عليه، وما تعكسه من رغبة عارمة في انتصار قيم الحياة والجمال، وفي عبور الماضي نحو المستقبل الحافل بقيامة الحياة الجديدة:


يا صحراء

أنا نبع يدق الليل

على أبواب رملك

في العاصفة ألا انفتحي عن مجرى

ألا انفرجي عن بئر

ألا قومي في الغيم

ألا قومي عني.

حوار الذات والصحراء الثري


لم تكن الصحراء في تجارب الشعراء الإماراتيين مجرد متاهة، أو كثبانا من الرمال المتحركة، والمدى الواسع والرحيب، لا سيما بعد أن توحدت الذات الشعرية معها، وأصبح الخطاب الشعري بما يحمله من بنية استعارية ومجازية، يوحد بين الذات وبين المكان الصحراوي الذي تنتمي إليه، سواء من حيث التعبير عن قسوة التجربة والضياع على المستوى الوجودي للإنسان، أو من حيث المعاني الحية، التي تكتسبها من خلال تلك العلاقة، التي يغدو فيها المكان مجالا حيويا لحركة الشعور، يصطبغ بمعاني الجمال والحياة والألفة، كما نجد ذلك في نص من نصوص الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم، يتسم بطابعه المنولوجي مع الذات، تتجلى فيه قدرية تلك العلاقة الوجودية مع عالم الصحراء، وما تولده في الذات من معاني الخصب والجمال والحياة:


كأنك ما خلقت لغير هذا الرمل

فانبجست عيون الأرض في عينيك

وارتعد الغمام.

14