الصحراء في يوميات رحالة بولندي مغامر

الأحد 2014/06/01
الرحالة البولندي من عشق الخيول إلى عشق الشر

شكل الشرق عموما وشبه الجزيرة العربية خصوصا وجهة للكثير من الرحالة الأوربيين المغامرين والمستكشفين، حيث تعددت أغراضهم ودوافعهم ووجهاتهم التي قصدوها، لكنهم تركوا لنا من خلال تدوينهم لرحلاتهم تلك أثرا أدبيا ومعرفيا وتاريخيا وطبيعيا مهما عن أحوال تلك البلاد التي زاروها وعن حياة سكانها وتقاليدهم وعاداتهم. لكن اللافت للنظر أن العديد من هؤلاء الرحالة تحولوا إلى عاشقين للشرق ما جعلهم يقيمون فيه سنوات طويلة بعد أن استطاعوا الاندماج مع المجتمعات التي عاشوا فيها.

من هؤلاء الرحالة المغامر البولندي الكونت فاتسواف سيفيرين جفوسكي الذي قام بسلسة من الرحلات إلى تركيا وسوريا في النصف الأول من القرن التاسع عشر (1831) بغرض شراء الخيول وتصديرها إلى أوروبا، لكنه وقع في عشق الشرق والخيول العربية وحياة بدو الصحراء، الذين أحبوه فمنحوه لقب الأمير تاج الفخر عبد النيشان تكريما له، ثم جعلوا منه شيخ قبيلة هناك بعد أن اعتنق الإسلام واندمج في حياتهم، ما جعله يعرف الكثير من الأسرار التاريخية والاجتماعية التي يصعب الوصول إليها إلا من قبل من نال ثقتهم. بقيت الرحلة مجرد مخطوط مجهول حتى تم العثور عليها مصادفة، من قبل فريق من الخبراء الفرنسيين المهتمين بشؤون الشرق وشبه الجزيرة العربية، الذين عملوا على تحقيقها ونشرها لأول مرة، وقد قام بترجمتها عن الفرنسية هناء صبحي وصدرت تحت عنوان “انطباعات عن الشرق وشبه الجزيرة العربية: خيال بولندي عند البدو” ضمن منشورات كلمة بأبوظبي بمجلد ضخم.


المكان والزمان


تكمن أهمية هذه الرحلة فيما تقدمه من معلومات كثيرة وهامة عن فترة الحكم العثماني لمنطقة الجزيرة العربية وبلاد الشام وعن سلوك الولاة العثمانيين مع سكان هذه البلاد، إلى جانب الحديث عن الدور الذي كان يلعبه البدو في رحلات الحج وما كانت تقوم به تلك الرحلات من أدوار في صياغة العلاقات السياسية بين القبائل البدوية والدولة العثمانية، إلى جانب المعلومات الهامة التي تقدمها عن أنواع الخيول وشؤونها مشفوعة بالرسوم التخطيطية لتلك الخيول بحيث لا تقل أهميتها عن أهمية تلك المعلومات الشيقة عنها، إلى جانب ما تذكره من معلومات عن حياة تلك المنطقة سياسيا واقتصاديا وسبل عيش السكان فيها. لم تكن هذه الرحلة مجرد مغامرة يقوم بها رحالة مغامر في أرض غريبة ومجهولة، بل ارتبطت بميول تأثر بها من زوج خالته المستشرق والرحالة يان بوتوكي الذي تولى تعليمه اللغات الشرقية وثقافاتها. كما كان لعشقه للخيول وشغفه بها دور هام في هذه المغامرة التي انتهت به إلى الانسحار بعالم الشرق والعيش فيه، عززه تأثير الرحالة الرومنتيين الذي ظهر واضحا في وصفه لحياة البدو وسبل عيشهم، إلى جانب الدعم المادي الذي قدم له من قبل ملوك كبار من أجل الحصول على خيول الترف. لذلك لم يكتف الرحالة أثناء تدوين رحلته بما خبره وعايشه خلال السنوات التي عاشها مع البدو وفي مدن وأرياف سوريا وشبه الجزيرة العربية، بل وضع قائمة بمراجع تاريخية وسياسية واقتصادية نادرة وهامة كثيرة، يمكن أن تعين الباحث في فهم الخلفية الثقافية التي استعان بها المؤلف لإنجاز هذا العمل ومنها الرؤية التوراتية للعالم.


الجغرافيا البدوية


يفتتح الرحالة الكونت فاتسواف كتابه بتقديم نظرة سريعة عن شبه الجزيرة العربية بهدف تحقيق فهم أكبر لما يقدمه من معلومات في هذا الكتاب، لأن التعرف إلى أرضها ومناخها يسهم في التعرف إلى بنية الخيول العربية وسماتها. لكنه يعترف بأن ما سيقدمه هو الجغرافيا البدوية حيث عاش بينهم في عزلتهم بعيدا عن المجتمعات المستقرة، دون أن يلغي ذلك حالة التواصل التجاري فيما بينهم والحماية التي كانوا يؤمنونها للقرى الواقعة على تخوم الصحراء. لا يكتفي الرحالة بتقديم المعلومات الجغرافية ووصف طبيعة الإنسان البدوي من خلال علاقته بالبيئة الصحراوية التي يعيش فيها، بل يقدم رسوما تخطيطية لبعض مظاهر الحياة البدوية هناك، إضافة إلى الرسوم الكثيرة الخاصة بالخيول العربية التي عشقها وبات خبيرا في أنواعها وصفاتها. ومن المعلومات الهامة التي يدونها أسماء الرياح التي كان البدو يطلقونها عليها، وهي أسماء تبلغ العشرات، وتدل على التمييز الدقيق لديهم فيما بينها وفقا لقوتها واتجاهها وفعلها في الطبيعة ومدة هبوبها، وهي خاصة تميزت بها اللغة العربية قديما، إذ تجد عشرات الأسماء التي تطلق على الحيوانات والمطر والغيم، حاول بعض الباحثين ردها إلى تعدد اللهجات التي كانت تستخدمها القبائل في التواصل بين أفرادها قبل أن يتم جمعها في معاجم لغوية في مرحلة لاحقة من عصر التدوين.


بدو وحضر


يميز الرحالة بين طبقتين من العرب البدو هما سكان المدن والبدو الرحل، حيث يسمى سكان المدن بالفلاحين، لكن البدو الرحل هم الذين يحتكرون لأنفسهم تسمية العربي، باعتبارهم القبائل النبيلة التي ترفض أن تتحول إلى عبيد للأرض من خلال شقائهم في زراعتها. وإلى جانب هذه القبائل المنتشرة في جزيرة العرب هناك أقوام أخرى كالتركمان الرحل أيضا والدروز والمارونيون والشيعة والنصيريون واليهود والمسيحيون على مختلف مللهم. هذه المعرفة بسكان الجزيرة العربية جعلته يقوم بشرح أسماء تلك المذاهب، ليعود بعدها إلى التفصيل في تكوين قبائل العرب البدو الذين يقسمهم إلى ثلاثة فروع رئيسية كبيرة تتشعب إلى عدد كبير من القبائل، والقبائل الثلاث الكبيرة هي بني تميم وعرب بني هلال وعرب العنزة.

الرحالة يصف حياة البدوي وعاداته وأخلاقه


انطباعات ووصف


يقدم الرحالة قوائم طويلة بأسماء القبائل البدوية التي تنتمي إلى القبائل الثلاث، ومن ثمة ينتقل للحديث عن العشائر التي لا تنتمي إلى تلك الفروع الكبرى، لكنه يعود للحديث مطولا عن الشخصية البدوية وما تتميز به من نشاط وحيوية وصفات الشجاعة وحب الحرية، التي تجعله يرفض أن يكون عبدا. إنه محكوم بأعراف القبيلة وأخلاقياتها التي تجعل كل فرد في القبيلة رقيبا على الآخرين. يصف البدوي على خلاف العديد من الرحلة الذين لم يختبروا حقيقة هذه الشخصية عن قرب بأنها مؤدبة جدا ودمثة الأخلاق ومرحة ومولعة بالصيد الذي يتخذ أشكالا عديدة وفقا لنوع الحيوان، ومن هذه الأنواع الصيد بواسطة الصقر والباز المخصص لصيد الغزلان والأرانب البرية والدراج الطائر. وللشعر مكانته الخاصة في حياة البدو كما هي الحال بالنسبة إلى النساء اللواتي يتمتعن باحترام كبير، وهو ما يجعل الحماية التي يمنحنها لمن يطلبها قوية جدا.


قافلة الحج


لا يكتفي الرحالة بتوصيف حياة البدوي وعاداته وأخلاقه بل غالبا ما يروي الحكايات التي كان شاهدا عليها لتأكيد تلك الصفات والقيم التي يتمتع بها البدوي في حياته. ويفرد الرحالة للحديث عن قافلة الحج فصلا كاملا يستهلها بالحديث عن مكانة مكة الدينية منذ القديم، ينتقل بعدها إلى الطرق المختلفة التي يسلكها الحجاج المسلمون الذين يتقاطرون من أصقاع الأرض المختلفة، والتي تشكل دمشق فيها مكانا أساسيا لتجمع الحجاج القادمين من أوربا وآسيا، ولذلك يسهب في وصف قافلة الحج التي تخرج من دمشق بعد أن يتم اختيار القبائل التي ستكلف بمرافقة الحجاج. ولأنه عاش تلك الأيام فإنه يسهب في وصف التقاليد المتبعة قبل انطلاق القافلة وأثناء انطلاقها والطريق التي تسلكها من دمشق إلى منطقة المزيريب بحوران والتي تعد محطة أساسية في طريق القافلة التي يسير في مقدمتها الخيالة، يليهم المشاة المغاربة وأعيان البلد والمدافع والجمال المحملة بها، إضافة إلى الوالي ونسائه. في هذا الصدد يؤكد الرحالة أهمية العرب البدو بالنسبة إلى رحلات الحج حتى أنه يعتبر أنه لولاهم لما كانت تلك الرحلات تتم، ويروي العديد من الوقائع تأكيدا لصحة هذا القول.


رحلة إلى تدمر


من الرحلات المهمة التي يتحدث عنها في هذا الكتاب رحلته إلى تدمر التي يذكر خطأ بأنها تقع في صحارى شبه الجزيرة العربية، بينما هي تقع في البادية السورية. وكأي باحث مهتم فهو يتقصى معنى اسم تدمر لغويا، لكنه مثل كثيرين من المستشرقين المسكونين بالرؤية التوراتية يعيدون كل شيء إلى اليهودية فيذكر بأن النبي سليمان هو من بنى المدينة، لكنه يعترف بأهمية آثارها ومعابدها القديمة ويتحدث عنها بلغة تفيض بالشاعرية تجعله أسير تداعيات واسعة حول العدم والحياة والتاريخ والغزاة الذين نكبوا هذه المدينة العظيمة ( لكنه عند شروق الشمس أو غروبها يكون منظرها لا مثيل له فتكون الخرائب نصف مضاءة ويمتد ظل شيء ما على الشيء المجاور له فيمنح الكل منظرا رائعا وموحيا. بيد أن الوقت الذي تظهر فيه تدمر في كامل ألقها هو في الأماسي التي يكون فيها القمر بدرا). بالإضافة إلى استفاضته بالحديث عن عالم البدو والصحراء، فإنه يقدم معلومات غنية عن الطوائف التي تسكن بلاد الشام كالدروز والإسماعيليين والشيعة المتاولة، إضافة إلى معتقداتهم ومناطق انتشارهم، كما يتحدث مطولا عن حلب وعن رحلته إلى دمشق.

12