الصحفيون أمام مأزق تغطية أزمات الرهائن بشكل أخلاقي

الخميس 2015/02/19
الشريط يمثل ما تستخدمه التنظيمات الجهادية العابرة للقوميات من أدوات دعائية متطورة لترهيب الأعداء

بعد التسليم بمقتل الرهائن المصريين على يد داعش “الفرع الليبي”، يثار الجدل عن غرض التنظيم من استخدام تقنيات عالية الحرفية لتصوير فيديوهات القتل الوحشية، وكيف يتعامل الصحفيون معها بشكل لا يقدم خدمة دعائية للتنظيم.

أطلق تنظيم داعش شريط فيديو عبر مركز الحياة الإعلامي التابع له مدته حوالي خمس دقائق، يصوّر فيه عملية قطع رأس 21 مواطنا مصريا على شطآن (ولاية) ليبيا على حد تعبير المعلق. الشريط معنون بـ(رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب)، وهو موجّه “للغرب الصليبي الكافر”، وفيه تهديد ووعيد بفتح (روما) التي يقف مقاتلو تنظيم داعش على مشارفها، وتشفّ لقتل أسامة بن لادن الذي سَيُسقى البحر المتوسط من دماء الكفار نتيجة لرميهم به بالإضافة إلى الانتقام لكاميليا شحاتة وأخواتها، لينتهي الشريط بوعيد بأن فتح روما قريب.

الشريط يمثل ما تستخدمه التنظيمات الجهادية العابرة للقوميات، من أدوات دعائية متطورة لترهيب الأعداء، والسيطرة على المجتمعات، وتجنيد أنصار من جميع أنحاء العالم.

ومع كل رهينة تقتلها داعش، يتأجّج النقاش حول الطريقة التي يجب أن ينقل بها الإعلام عمليات القتل؛ هل ينبغي أن يمتنع الإعلام عن إعادة بث المواد السمعية والبصرية التي تنتجها المجموعات الإرهابية؟ وكيف يمكن أن يغطّي الصحفيون بشكل أخلاقي أزمات الرهائن المتواصلة، من دون أن يعزّزوا عن غير قصد الجهود الدعائية الإرهابية؟

عمر عبد العزيز: الفيديو صوره محترفون، وهو ما كان واضحا في فيديو حرق الطيار الأردني

يبدأ الشريط بلقطة الشاطئ التقليدية وتلاطم أمواج البحر، لينتهي بتصوير التحوّل الذي يمر به هذا البحر، أو الحد الذي سيوصل المقاتلين إلى (روما) حيث يتحول إلى الأحمر ملوناً بدماء الكفار. بين هاتين اللقطتين، نشاهد 21 رجلاً ملثما يرتدون السواد، واحدٌ منهم وهو المعلق يرتدي الزيّ العسكري إلى جانب 21 مواطناً مصرياً يرتدون اللون البرتقالي، ويتعرضون لقطع الرأس بذات الوقت. هي مجزرة حقيقية التي نشهدها.

واحد وعشرون إنسانا تعرضوا لفعل وحشي، رسالة خضوع وتهديد تثير الرعب في قلب أي مشاهد، والأكثر تأثيراً أن داعش في تسجيلاتها لا تلجأ للتقنية الوثائقية أي أن هناك سيناريو واضحا ومخططا لسير العمل واللقطات، وتقسيمات واضحة توظّف الرموز والدلالات التي تمتلكها الصورة، لنجد أنفسنا أمام عمل فني أكثر تأثيرا من الصورة الواقعية. فالحرفيّة العالية تجعل الإيهام أكثر تأثيرا وقدرة على غرس الصورة الوحشية، وترسيخ صورة المقاتل القادر على الذبح في سبيل أفكاره، بالإضافة إلى القالب الفنّي الذي يحول الحدث إلى صيغة أسطوريّة تجعل هؤلاء المقاتلين لا يهزمون. هم ملثمون، مجهولون يمكن أن يتواجدوا في أي مكان، وهذا يزيد من تقنية الرعب، والشريط كما حالة العديد من التسجيلات الأخيرة لتنظيم داعش موجّه للغرب لا للعرب، فالمعلق يتحدث باللغة الإنكليزية ويخاطب حكومات الغرب ويهدد مواطنيها أينما كانوا.

يؤكد مدير التصوير السينمائي، محمود عبدالسميع، أن الفيديو الذي بثه تنظيم “داعش” لذبح المصريين الـ21 تم تصويره وإخراجه بشكل احترافي، وأن مصوره على مستوى عال من الاحترافية، ويعرف جيدًا زوايا التصوير التي يستعرض بها موهبته.

وقال “عبدالسميع”، إن “التصوير تم بوحدات ذات تقنية عالية وحملت المشاهد استعراضا للقوة، وظهر ذلك في المشهد الذي تم التقاطه للشهداء المصريين من الخلف، وأيضا مشهدهم وهم يسيرون مقيدين على شاطئ البحر”.

وتابع أن “الفيديو يؤكد أن من يدير هذه المذابح عقول مخابراتية تعرف جيدا ماذا تصنع وتقدمه للمشاهدة من أجل بث الرعب في قلوب الناس، وتعمل وفق خطة محددة، وأن الأيام المقبلة ستكشف وقوف أجهزة مخابرات وراء هذا التنظيم”.

القالب الفني يحول الحدث إلى صيغة أسطورية تجعل المقاتلين لا يهزمون ويمكن أن يتواجدوا في أي مكان

ومن جانبه قال المخرج عمر عبدالعزيز إن “الفيديو صوره محترفون، وهو ما كان واضحا من قبل في فيديو حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة فهم يبرزون جرائمهم بإخراج سينمائي”. وأضاف “قد تكون هناك شخصيات أجنبية وراء إخراج هذه الفيديوهات، ورغم أنه تكنيك عالٍ إلا أنه قذر”.

ونرى في الترجمة عبارة (الصلاة والسلام على من بُعث بالسيف رحمة للعالمين)، هكذا رسائل مشوهة تمر بسهولة ضمن الصنعة الفنية العالية القادرة على خلق الإيهام. هي توظف الثقافة الصورية للمشاهد في سبيل تعزيز الخوف وتعميق أثره، حيث تبدو السكاكين لامعة وواضحة للعيان، وكأنها مجهزّة خصيصاً لمثل هذه العمليات، وما يرافق عملية الذبح من أناشيد بنَغم ديني كلها تدعو للقتل، وبأن الانتصار لا يكون إلا بالسيف، حيث تتماشى إيقاعاتها مع الحركة في الشريط، لتبدو الوحشية التي يصورها تسير بتماسك ومنطق، لا بصورة عفوية مرتجلة.

يبدو الشريط إلى جانب ما تبثه دولة الإسلام من تسجيلات عالية التقنية أقرب للوثائق، لكنها لا تاريخية، أي تنتمي إلى عالم افتراضي يمكن فيه لـ24 شخصاً بالإضافة إلى طاقم فني من القيام بكل هذه الأفعال دون أن يثيروا انتباها، إذ لا يوجد ما يدل على أن ما حدث تم تصويره في ليبيا إلا كلام المعلق نفسه، لكن الأمر حقيقي.

في مواجهة هذه الحرب الدعائية، تم تشجيع تويتر على إغلاق الحسابات المعروفة لداعش، وبدأ يوتيوب بحذف أشرطة الإعدامات المريعة وسائر الأشرطة الدعائية.

18