الصحفيون في سوريا بين نار النظام وترهيب المتشددين

الجمعة 2013/12/27
يارا عباس ضحية المتشددين أم تعنت النظام

دمشق – برز في العام الأول للثورة، دور مميز للمثقف المنحاز لنفس التحرر، فلم تخل مظاهرة بدمشق بصفة خاصة من مشاركاته، واعتقل العشرات منهم من قلب المظاهرات، وقد ألقوا الكلمات في القابون وريف دمشق وزاروا اعتصام المناطق وعزوا أهالي الشهداء، ومنهم من غامر وكاد يقتل أكثر من مرة في أكثر من مدينة، ولكن ومع عامها الثاني، غادرت أغلبيتهم البلاد، ومن بقي خرج مع اشتداد المعارك، وتراجع دور الشعب وتعقدت شروط الثورة.

والملاحظ هنا، تقريباً دخول معظم مثقفي سوريا من الفئات الشبابية، إلى السجون، كمتظاهرين، ويندر توقيف بعضهم لأسباب متعلقة بالنتاج المعرفي، وبرز الفن الشعبي، في كامل سوريا، حيث تم إعادة إنتاج الأغاني التراثية الراقية بما يتطابق مع الثورة والرغبة الجارفة في التغيير، وانتشرت وعمّت، وأبرزها كانت أغاني إبراهيم القاشوش، وقد ترك أثرا بالغاً فأصبح لكل مدينة وقرية قاشوقها الخاص، وأبدع الشعب فنه الخالد.

المثقف لم يجار ذلك، ولا الفنان، وحتى الفن الشعبي انحسر كليّة في العام الثالث، وصارت أسماء المعتقلين أو الفاعلين في الثورة لا تكاد تذكر أبداً، بل هناك من انكفأ عن الثورة واقترب من النظام، ولكن الأغلبية فضلت الهجرة، وحاولت أن تفعل شيئاً خارج البلاد، غير أن كافة نتاجها الثقافي، يكاد لا يرى ولا يُعرف ولا يسمع به.

طبعاً هناك أغان ولوحات ومجلات وأشكال فنية وأدبية أخرى، ولكن وبموازاة الثورة وتطوراتها، لا يمكن للمراقب أن يجد موازياً حقيقياً، وهو ما يدهش حقاً، ولكن ربما تتأخر الثقافة عن فهم الواقع وإنتاج فكره، غير أن دلالة ذلك أن المثقف لا يعرف الواقع، إنما يعيش واقعه الخاص به، أي مشاريعه الخاصة به، وهذا يعني أنه مُتطبع بسياقات ثقافة الطبقة المهيمنة.

مع اقتراب العام الرابع، أصبحت سوريا تعد من أكثر البلدان قتلاً للصحفيين، حيث برز الإعلاميون كفئة جسورة وصلبة، ولا تخرج من الميدان إلا بالقتل، لذلك ارتفع عدد الشهداء المعتقلين منهم كثيراً، لدى النظام أولاً وبين الكتائب المسلحة ثانياً وتحديدا بيد داعش ومن يشبهها، وأبرز الإعلاميين الشهداء زياد عرفة.

وفي هذا الخصوص يذكر أن الكتائب المسلحة اعتقلت فريق توثيق الانتهاكات في سوريا، والمؤلف من رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم الحمادي ووائل حمادة، وفي حلب اعتقلت داعش كلا من سمر صالح ومحمد العمر، وقبلهما وهو الأشهر الأب باولو حيث اعتقل في مدينة الرقة، كما اعتقلت كلا من الكاتب مهند الفياض ومصطفى الأحمدي، واعتقل وقتل على يد هذه الجماعات عشرات الصحفيين، سواء من خريجي الجامعات أو ما اصطلح على تسميته المواطن الصحفي.

في المقابل تكاد أسماء المثقفين السوريين المعتقلين تكون شبه نادرة، حيث بقيت أسماء الإعلاميين الأكثر تعرضاً للانتهاكات في مقابل تراجع عدد المثقفين.

وتفيد التقارير بأن 13 ناشطاً إعلامياً وناشطا حقوقيا قتلوا خلال شهر نوفمبر 2013، سبعة منهم في ريف دمشق بينهم خمسة قضوا في يوم واحد بقصف قوات النظام السوري لمنطقة “الجربى” في الغوطة الشرقية.

كما سُجّلت إصابة أربعة نشطاء إعلاميين باستهداف طائرة نظامية “مركز حلب الإعلامي” بصاروخ ، ومراسل تلفزيون «أورينت نيوز» محمد الزهوري، إضافة إلى بتر ساقي الناشط الإعلامي أبي فهد الحلبي بانفجار لغم في حلب.

كما سجل شهر نوفمبر، خطف الصحفيين السويديين ماغنوس فالكهيد ونيكلاس هامارستروم والناشط طارق شيخو في اللاذقية على يد تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وكذلك الناشط محمد الادلبي في إدلب، إضافة إلى اختفاء الناشطين لؤي أبو الجود وعمر الحسن، وفريق قناة “الإخبارية السورية” في رأس العين على يد الشرطة الكردية.

ووفق التقارير التي نشرتها “مراسلون بلا حدود” فإن 18 صحفياً أجنبياً مازالوا في عداد المخطوفين أو المحتجزين أو المفقودين في سوريا. وفي المقابل، أحصت المنظمة ما لا يقل عن 22 فاعلاً إعلامياً سورياً مازالوا في قبضة الجماعات المسلحة بشمال البلاد حتى يومنا هذا.

هذا وتُجبر أعمال العنف وانعدام الأمن عدداً متزايداً من الصحفيين على العيش في المنفى. فقد عجلت آلة العنف التي تطغى على الصراع السوري برحيل ما لا يقل عن 31 من الإعلاميين المحترفين أو الصحفيين المواطنين في عام 2013، حيث يوجد العديد منهم حالياً تحت ظروف مزرية ودون موارد في تركيا أو الأردن أو لبنان أو مصر. فهم في الغالب إما يُتَّهمون بدعم الإخوان المسلمين ويعانون من تفشي ظاهرة كراهية الأجانب في مصر، أو يخضعون للاستجواب والترهيب من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية أو يتلقون تهديدات من الميليشيات الموالية لنظام الأسد في لبنان، إذ عادة ما يعيشون في وضع يطغى عليه الضعف والهشاشة وعدم الاستقرار.

الملفت أن الإعلاميين هم الأكثر التصاقاً بالثورة من فئات المثقفين، وقد يكون السبب كونهم الأكثر قربا من تفاصيل الحياة اليومية والرغبة الحقيقية في إظهار الحقيقة، بينما انسحب المثقفون من بقية الفئات الأخرى من سوريا، وربما من الثورة.

18