الصحفي يدفع ثمن حرية التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي

يعاني الصحفيون في شتى أنحاء العالم من تحمل مسؤولية مضاعفة عند التعبير عن أرائهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ويواجهون اتهامات بعدم الحيادية عند التصريح عن المواقف السياسية، ويمكن أن يتعرضوا إلى الطرد من العمل أو الملاحقة القضائية.
الاثنين 2015/11/23
إليز لابوت انتقدت مجلس النواب الأميركي فأوقفت عن العمل لأسبوعين

لندن - تمثل وسائل التواصل الاجتماعي ميدانا شديد الحساسية للصحفيين عند التعبير عن الرأي تجاه القضايا والمواقف السياسية، ففي حين تفرض بعض المؤسسات الإعلامية على صحفييها عدم التصريح عن الميول تجاه الأحزاب السياسية، يعتبر بعض الصحفيين أن هذا التزام مهني لضرورات الحيادية في العمل الإعلامي، بينما يرى البعض الآخر أن التعبير عن الرأي هو حق للصحفي، ولا يجب حرمانه من التعبير عن أرائه في أي قضية تهمه.

وواجه الكثير من الصحفيين عبر استعمالهم هذا الحق مشاكل متعددة من حملات هجوم أو ملاحقة قانونية، أو فصل مؤقت من مؤسساتهم الإعلامية وحتى الطرد، وذلك في شتى أنحاء العالم ولم يقتصر على بلد معين في الشرق أو الغرب.

وخلال الأسبوع الماضي أُوقفت مراسلة شبكة سي إن إن الأميركية، اليز لابوت، عن مزاولة عملها لأسبوعين، بسبب تنديدها بمصادقة مجلس النواب الأميركي على قرار زيادة القيود على دخول اللاجئين العراقيين والسوريين إلى الولايات المتحدة.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام أميركية، فقد كتبت لابوت عبر حسابها على موقع تويتر تعليقا على قرار مجلس النواب، “تمثال الحرية أحنى رأسه أمام المعاناة”، وخلال فترة قصيرة قام المئات من الأشخاص بإعادة نشر تغريدة لابوت، تبع ذلك إعلان أحد المسؤولين في القناة عن قرار الإدارة، بإيقاف لابوت عن العمل لمدة أسبوعين، دون تقديم أي مبرر بالخصوص. وتلقّت لابوت اتهامات بعدم الحيادية، بسبب تنديدها بالنواب الجمهوريين الذين طرحوا مشروع القرار للتصويت، فيما أعلن عدد من المواطنين مساندتهم لمنشورها.

ويقول خبراء الإعلام إنه حتى إذا لم يتلقّ الصحفي تحذيرا مباشرا أو غير مباشر من مؤسّسته الصحفية، فإن الأصدقاء المشتركين وزوّار صفحته يعتبرون أن رأيه هو رأي المؤسسة التي ينتمي إليها، بالرغم من كونه رأيا شخصيا في أغلب الأحوال ولا يتعلّق بتوجّه المؤسسة، وهو ما تأخذه المؤسسات الإعلامية بعين الاعتبار في حال التعبير عن الرأي.

الشبكات الاجتماعية تقوم بدور هام في البلدان التي تعاني من قيود على مستوى حرية الرأي والتعبير

ووصل الأمر ببعض كبار الإعلاميين إلى الاستقالة بعد تأزم الوضع إثر الإعلان الصريح عن مواقف سياسية معارضة تماما لتوجه مؤسساتهم، حيث استقال جيم كلانسي، وهو أبرز المذيعين في شبكة سي. إن. إن، والذي عمل 34 عامًا فيها، هذه الاستقالة جاءت بسبب تغريدة على حسابه تويتر عقب هجوم شارلي إيبدو، حيث كتب كلانسي “الرسوم الكاريكاتورية لم تسخر من النبي محمد، وإنما سخرت من الذين يحاولون تشويه كلامه، انتبهوا”، وفي تغريدة لاحقة له، قال كلانسي “إن الدعاية الإسرائيلية تتحمل جزءا من مسؤولية الهجوم”.

وسأل كلانسي هؤلاء إذا ما كانوا يمارسون “الهاسبرا”، وهي كلمة عبرية تعني العلاقات العامة لإسرائيل بتصوير العمل كأنه صراع للحضارات. وأوقعه هذا الأمر في مأزق مع مناصري إسرائيل بشكل جعله يحذف حسابه على تويتر، ومن ثم استقالته لاحقًا، من دون اعتذار.

وقال كلانسي في بيان “بعد 34 عاما مع سي. إن. إن، حان وقت الوداع، كان لي الشرف أن أعمل معكم جميعًا في هذه السنوات، هذه إحدى أعظم محطات الأخبار في العالم، وسي. إن. إن، هي العائلة لعائلتي، أتمنى لكم النجاح الكبير في المستقبل”.

وتساهم طبيعة البلدان في التأثير بشكل أكبر على هذه الإشكالية بالنسبة للصحفيين، حيث تقوم الشبكات الاجتماعية بدور هام في البلدان التي تعاني من قيود على مستوى حرية الرأي والتعبير، والتي تتحكم فيها السلطة بوسائل الإعلام.

وتعد تركيا من أبرز الدول التي عانى فيها الصحفيون من انعكاسات تصريحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان من أبرزها عندما أقدمت صحيفة “ملييت” التركية على إقالة أحد محرريها، بسبب نشره تغريدة حمل فيها الرئيس التركي أردوغان المسؤولية عن اعتداء سوروتش. وبررت الصحيفة في بيان طرد هذا المحرر “بسبب مواقفه التي تؤثر على بيئة العمل”.

تركيا تعدّ من أبرز الدول التي عانى فيها الصحفيون من انعكاسات تصريحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي

وأعلنت الصحيفة في بيان مقتضب، تناقلته الصحف التركية “لقد أوقفنا تعاوننا مع قدري غورسيل بسبب مواقفه التي تؤثر على بيئة العمل”.

وكانت أنقرة قد طردت صحفيا أذربيجانيا بحجة انتهاء مدة رخصة إقامته في تركيا، فيما أكدت مصادر صحفية أن السبب الرئيس وراء هذا القرار هو نشر الصحفي تغريدات عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر، منتقدة لحكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

وتم الكشف عن وثيقة رسمية تحمل خاتم الداخلية التركية تضمنت المعلوماتِ التالية “تمّت الموافقة على فرض حظر لدخول الصحفيّ الأذربيجاني ماهر زينالوف إلى تركيا، وذلك لنشره تغريدات ضد كبار الدولة والحكومة”.

يذكر أن مسألة احترام أخلاقيات المهنة في مواقع التواصل الاجتماعي أثارها ميثاق أخلاقيات الصحافة الذي أصدره مجلس أخلاقيات الصحافة بالعاصمة البلجيكية بروكسل. يؤكد الميثاق أولا أن هذه الإشكالية تتعلق باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي كمنصّة للتعبير عن الرأي وليس باستخدام هذه المواقع كطريقة للبحث عن المعلومة.

ويشير الميثاق في البند الخامس إلى أن المجلس أثار أسئلة من قبيل صعوبة التفرقة بين حياة الصحفي الشخصية وحياته العملية، والحفاظ على حرية المتتبعين في التعليق، وطبيعة المنشورات الموّجهة للعموم أو الموّجهة لمخاطبين خاصين.

واستنتج المجلس أن مواقع التواصل الاجتماعي صارت تشغر مكانة واضحة في النشاط الصحفي، سواء من أجل استقبال المعلومة أو نشرها، وبالتالي فعلى الصحفي، إن كانت منشوراته في هذه المواقع متاحة للعموم أن يعلم أنه يمارس نشاطاً صحفياً، وهو ما يُلزمه باحترام صريح لأخلاقيات المهنة.

18