الصحف.. ألعوبة أصحاب المليارات

الأربعاء 2013/09/18

اليوم يعرف قلة من الناس أن شركة «هافاس» الفرنسية وشركة «رويترز» البريطانية – عندما أنشئتا في العالم في القرن التاسع عشر- تقاسمتا كوكب الأرض بينهما تبعا لحدود هاتين الإمبراطوريتين الاستعماريتين.

حينذاك، وقعت أميركا اللاتينية في أيدي «هافاس» الفرنسية، في حين استحوذت «رويترز» البريطانية على الولايات المتحدة. ثم جاءت «يونايتد برس انترناشيونال» (UPI) الأميركية كأول وكالة كسرت هذا الاحتكار، مبررة ذلك بأنه لا يمكن النظر إلى الولايات المتحدة من خلال العيون البريطانية، وهي شكوى العالم الثالث ذاتها ضد احتكار دول الشمال للإعلام.

الوكالة اعتبرت عملاقا في عالم الإعلام.+. لذلك فوجئ الجميع في عام 1986 بقرار الملياردير المكسيكي ماريو فاسكويز رانا، شراء وكالة «يونايتد برس انترناشيونال» بمبلغ 41 مليون دولار، وقولته الشهيرة «كانت لدي طائرتي فالكون.. بعت واحدة.. واشتريت UPI».

ومنذ ذلك الحين، انتشرت ظاهرة تركيز ملكية وسائل الإعلام في أيادي أصحاب المليارات. وتعتبر حالتا روبرت مردوخ وسيلفيو برلسكوني الأكثر شهرة.

ويرى بعض المراقبين أن هذه الظاهرة توجه إلى اليمين السياسي.. بقيادة أصحاب المال.

وتعتبر الولايات المتحدة مرصدا جيدا في عالم الإعلام. ففي الواقع، ولد فيها مصطلح «وسائل الإعلام» الكبرى -أي تلك الموجهة إلى أوسع فئة من الجمهور- وذلك لأن مبيعات وسائل الإعلام ينبغي أن تكون كبيرة بما يكفي لاستمرارها.

في أوروبا، لم تكن وسائل الإعلام موجهة إلى الجماهير. كما كانت الصحف الأوروبية ثقافية، بمقالات طويلة وتحليلية.

لكن وسائل الإعلام الأميركية سارت في الاتجاه المعاكس، وهكذا ولدت «وسائل الإعلام الجماعية» أو ما يعرف بمصطلح mass media.

في الأسابيع الأخيرة، اشترى أصحاب المليارات عددا كبيرا من الصحف الأميركية المرموقة.

وقد تكون أفضل حالة معروفة هي صحيفة «واشنطن بوست»، التي اعتبرت الجريدة الأكثر تأثيرا جنبا إلى جنب مع صحيفة «نيويورك تايمز».

خلال الثمانينات، كانت «واشنطن بوست» في أيدي عائلة واحدة: عائلة غراهام. فاشتراها جيفري بيزوس، مؤسس «أمازون»، مقابل 250 مليون دولار، وهو ما يمثل واحدا في المئة من ثروته الشخصية. يذكر أن قيمة «أمازون» السوقية تبلغ 128،370 مليون دولار أميركي.

الصفقة تعتبر ضربة قاضية للصحف المملوكة لعائلات، مثل عائلة تشاندلر المالكة لجريدة «لوس أنجلوس تايمز»، وعائلة كوبلي المالكة لصحيفة «سان دييغو تريبيون» وكذلك عائلة بانكروفت المالكة لصحيفة «وول ستريت جورنال».

تلك العائلات دافعت عن استقلال وهوية صحفها. ويكفي النظر إلى الفرق الواضح بين جريدة «وول ستريت جورنال» عندما كانت في عهد عائلة بانكروفت، وفي الوقت الراهن وهي في ملكية روبرت مردوخ. فهي تكاد تكون حليفة مع تلفزيون «فوكس».. الذي يملكه مردوخ أيضا.

والسؤال المطروح الآن هو كم من الوقت سوف تستمر صحيفة «نيويورك تايمز» -التي تعتبر آخر رموز الصحف التي تملكها عائلة واحدة- والتي يملكها أربعة أجيال من أسرة سالزبيرغير منذ عام 1896؟

هذه الجريدة لا تخسر المال، لكنها تعتبر في نهاية المطاف مجرد سمكة فراشة في عالم من أسماك القرش.

وإليكم الأرقام: تبلغ القيمة السوقية لصحيفة «نيويورك تايمز» 1.69 مليار دولار مقارنة بقيمة مؤسسة الأخبار التابعة لروبرت مورخ البالغة 56.66 مليار دولار.. وبقيمة «نيوز كوربوريشن»، التي تملكها عائلة بلومبرج، والتي تصل إلى 27 مليار.. وبقيمة فيسبوك البالغة 93.86 مليار دولار.. وبقيمة غوغل البالغة 282،04 مليار دولار.

وبعبارة أخرى، أصبح المال الوفير هو صاحب الكلمة .. كما أصبح مستقبل المعركة على شبكة الإنترنت.

فقد أفاد «التحالف من أجل مراجعة وسائل الإعلام» أن الاشتراكات على شبكة الإنترنت قد بلغ حجمها 10.2 مليون دولار في النصف الأول من عام 2013، أي تقريبا ضعف نفس الفترة في عام 2012.

وتبحث غوغل، وفيسبوك، ومايكروسوفت وياهو عن المزيد من الأخبار لنشرها، بغية زيادة الإعلانات.

المشكلة هي أن المشتركين عبر الإنترنت يمثلون تغييرا أنثروبولوجيا مقارنة بالقراء على الطراز التقليدي.

فهم عقول لا تهدأ، ويحبون الانتقال من صفحة إلى أخرى، وبالتالي سوف تتقلص تدريجيا المقالات والتحاليل الطويلة. هذا سيكون حال الأجيال القادمة أكثر فأكثر.

ونتيجة لذلك، لم يعد يعتبر أي نص يتجاوز 850 كلمة مناسبا للطباعة.. فهل يبشر هذا بالخير بالنسبة إلى عالم أكثر اطلاعا وأكثر وعيا؟.

18