الصحف البريطانية تعيش نقطة انقلاب رقمية

يفرض العصر الرقمي نهجه على الصحافة شيئا فشيئا، وأصبح الاستمرار في السوق المريضة قرارا جريئا لا تستطيع جميع الصحف البريطانية اتخاذه وتحمل نتائجه، مع تدهور إيرادات المبيعات ونزيف القراء، ولا بد من الاعتراف بأن المؤسسات الصحافية تعيش عصر الانقلاب الرقمي.
الاثنين 2016/02/15
صحيفة ورقية دفعت الثمن

لندن- أثارت الأخبار عن قرب توقف صحيفة الاندبندنت عن الصدور نهاية شهر مارس القادم تساؤلات عن تضاؤل احتمال نشوب حرب توزيع بين الصحف بسبب الاقتصاد المتقلب للأخبار على الإنترنت.

وعلى مدى عقود، أشار مديرو الصحف إلى “نقطة انقلاب رقمية”، عندما تعوض العائدات على الإنترنت خسارة المبيعات المطبوعة.

الآن، يتساءل البعض في الصناعة ما إذا كان سيكون هناك أصلا مستقبل مربح، بعد أن شكل إعلان الصحيفة إنهاء عصرها الورقي خيبة أمل للمتفائلين بمستقبل الصحافة الورقية، خاصة أن الاندبندنت حاولت اتخاذ قرارات جريئة سابقا وراهنت على السوق المريضة بإطلاق صحيفة “آي” قبل عامين، واتهمت الاندبندنت حينها بأنها لا تتعلم من أخطائها وتراهن على سوق الورق المريضة في عصر يتحول فيه كل شيء إلى الرقمية.

لكن يبدو أن قرار المواصلة في السوق الورقية يحتاج إلى مجازفة لم تعد تستطيع الصحيفة تحمل نتائجها، مع انحدار الموارد، فقررت إيقاف إصدار نسختها الورقية، بحلول نهاية الشهر المقبل.

وقال يفغيني ليبيديف، مالك الصحيفة، الأهم في بريطانيا، في بيان له، إنه تمخض عن تراجع المبيعات وانخفاض دخل الإعلانات، تدهور كبير في الهامش الربحي للصحيفة، الذي أصبح عاجزا عن تغطية تكاليف عملية الطباعة.

وأشار ليبيديف إلى أن “الصحيفة ستواصل خدماتها إلكترونيا، حصرا، وذلك اعتبارا من 26 مارس المقبل”. ولفت إلى أن صناعة الصحف “آخذة في التغير، ويعود هذا للقراء، الذين يثبتون لنا يوما بعد يوم أن المستقبل للمجال الرقمي”.

وذكر بيان صادر عن مؤسسة “إيزي ميديا” التي تنتمي إليها صحيفة الاندبندنت أن عملية إيقاف طبعة الصحيفة الورقية ستتسبب في تسريح عدد من صحافييها البالغ عددهم 150 شخصا، إلا أن مالكها أكد أن جزءا من نفقات الطبعة الورقية سيخصص لتطوير مضامينها من خلال عدة إجراءات بينها فتح مكاتب جديدة في دول أوروبية وفي منطقة الشرق الأوسط وآسيا والولايات المتحدة الأميركية.

6 في المئة فقط من البريطانيين على استعداد للدفع مقابل الأخبار على الإنترنت

والأزمة التي فرضت على الاندبندنت اتخاذ هذا القرار هي جزء من أزمة كبيرة تعاني منها سوق الصحافة الورقية في بريطانيا والعالم، بسبب تغير سلوك القراء وتوجههم نحو الصحافة الرقمية، وتخلف المحتوى الذي تقدمه مقارنة بصحافة الإنترنت وما تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي من خدمة إخبارية. فمازالت صحيفة الغارديان تعاني من الخسائر، وتراجعت الأرباح في الشركات الرائدة في السوق -صحف الديلي تلغراف وذا صن والديلي ميل- بنسبة 40 في المئة خلال العقد الماضي.

وكما يقول ديفيد مونتغومري، رئيس التحرير السابق للصحيفة الشعبية المنحلة الآن “أخبار العالم”، “تحتاج الصناعة إلى تقديم اعتراف واضح بأن هذا النموذج التاريخي لإنتاج الصحف انتهى أمره. كثيرون في هذه الصناعة يعيشون في حالة إنكار”.

وتحدثت مؤسسة “اندرز للتحليلات”، عن تراجعات في الإعلانات المطبوعة في المملكة المتحدة بمقدار 112 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نصف الأرباح في الصحافة، وانخفض الإنفاق على إعلانات الصحف الوطنية بنسبة الثلث منذ عام 2010 ليصل المبلغ إلى 880 مليون جنيه إسترليني.

هذا التراجع يعتبر أزمة حقيقية في صناعة الصحف البريطانية التي تعتبر الأكثر إثارة وتنافسية في العالم. وتبيع صحفها سبعة ملايين نسخة مطبوعة في اليوم بعد أن كانت توزع 13 مليون نسخة قبل عشر سنوات، وهذا ما كان دافعا للصحف للبحث عن المواضيع الأكثر شغفا للجمهور، فقرصنة الهاتف، والوصول إلى البريد الصوتي بصورة غير مشروعة من قبل صحيفتي نيوز أوف ذي ويرلد وصنداي ميرور، كان جزء منه ناجما عن الحاجة إلى مواضيع كبيرة لدفع المبيعات.

كما اتخذت الغارديان قرارها في عام 2013 بنشر تسريبات العميل السابق للمخابرات الأميركية، إدوارد سنودِن. وبعد عام واحد كشفت صحيفة صنداي تايمز عن الفساد في “فيفا”، الأمر الذي أسهم في الإطاحة برئيسها سيب بلاتر.

وتبحث الصحف البريطانية في خطوتها الرقمية، عن حلول أخرى تعوض خسائرها في قطاع الإعلانات، ويدور النقاش حول ما إذا كانت ستُدخِل حظرا على الاشتراكات غير المدفوعة كما تفعل صحف فاينانشال تايمز، وذا صن وصحيفة تايمز، أو البحث عما يجذب الجماهير العالمية الضخمة للدعاية، مثل صحيفة ديلي ميل والغارديان.

الأزمة التي فرضت على الاندبندنت اتخاذ هذا القرار هي جزء من أزمة كبيرة تعاني منها سوق الصحافة الورقية في بريطانيا والعالم

وقبل فترة أعلن مسؤولون في الغارديان، عن اتخاذ إجراءات “توفيرية حادة في ظل تباطؤ المبيعات الإعلانية الأخيرة”. وقال رئيس المجموعة الناشرة ديفيد بمسل إن “زيادة النفقات بشكل أكبر من العائدات غير ممكنة بكل بساطة”.

وذكرت الغارديان أن “العوائد من صناعة الإعلانات انخفضت في المملكة المتحدة بنسبة 25 بالمئة خلال العام الماضي، بينما لم تهبط سوق الإعلانات الرقمية بهذه الحدة”. ولا يزال الدخول إلى موقع “غارديان” مجانيا لكن الشركة تفكر في فرض رسم اشتراك شهري مستقبلا على بعض المحتوى.

وكانت الغارديان قد نقلت مؤخرا عن مدير التسويق في إحدى شركات الإعلانات الكبرى القول “وصلنا إلى لحظة مصيرية، حيث لم يعد شراء الإعلانات في الصحف المطبوعة مجديا. المشكلة ليست في المؤسسات الصحفية الورقية، لكن لا بد من التركيز على حجم الإنفاق الذي يحقق سرعة الوصول ونوعيته، وطبيعة الجمهور”.

ونوّهت إلى أن الوقت حان لدق ناقوس الإنذار في سوق الإعلانات بالصحافة الورقية البريطانية، خاصة أن المشكلة تفاقمت وباتت تهدد عائدات الإعلانات الرقمية التي لطالما كان يُعتمد عليها لاستبدال انخفاض إيرادات الإعلانات المطبوعة. ووجه بمسل إصبع الاتهام إلى شركتي غوغل وفيسبوك، وقال إن “عمالقة الإنترنت يستحوذون على الإعلانات الرقمية بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعا”.

18