الصحف الجزائرية وسط أزمة مالية ورغبة حكومية في حصارها

يحمّل الصحافيون الجزائريون مسؤولية التدهور المالي للصحف إلى مؤسسة الإعلان الحكومي التي تتخذ معايير خاصة بها في توزيع الإعلان، فتغدق على الصحف المطيعة، بينما تحرم المتمردة من أي حق في الإعلان، لتساهم الأزمة في إجبارها على التوقف.
الأربعاء 2016/02/17
توزيع الإعلان يتم حسب الولاء

الجزائر – تتجه العشرات من الصحف الجزائرية الخاصة، إلى التوقف، بسبب عجزها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المطابع والصحافيين والموظفين، أمام استمرار شح الإعلان الحكومي.

وتتخذ الحكومة موقف المتفرج مع مخاطر تسريح المئات من موظفي المؤسسات الإعلامية، مما يرجح فرضية التسريبات التي تتحدث عن نية الحكومة، في توظيف أزمة الإعلان من أجل الوصول إلى الغلق الطبيعي للصحف، في إطار مشروع لتطهير الساحة المحلية من العشرات من الصحف.

وشن صحفيو وعمال صحيفة “الأحداث” الجزائرية، الثلاثاء، احتجاجا أمام مقر صحيفتهم بدار الصحافة الطاهر جاووت بالعاصمة، تنديدا بقرار الإدارة، الاثنين، القاضي بوقف الصحيفة وتسريح العمال، بعد العجز عن الوفاء بالتزاماتها تجاه شركائها في الطبع والضرائب وأجور العمال.

ويتوقع الوسط الإعلامي الجزائري توسيع حركة الاحتجاج لصحف أخرى، بعد دخول قرار إدارة المطبعة حيز التنفيذ ابتداء من مساء الاثنين، والقاضي بوقف الصحف التي لم تلتزم بدفع ديونها، وكانت صحيفة “الآن”، أول الصحف التي تقرر توقيف إصدارها بقرار من المطبعة.

وكانت إدارة صحيفة “الأحداث”، أصدرت بيانا، الاثنين، تعلن فيه وقف صدورها مؤقتا، وتسريح عمالها، بسبب ما أسمته “شح الموارد المالية، المتأتية من الإعلان والمبيعات، ومشاكلها مع إدارة الضرائب، وستضطر للتوقف عن الصدور، نظرا لعجزها عن الوفاء بالتزماتها تجاه الطاقم العامل وتكاليف الطبع والضرائب”.

وتسود الوسط الإعلامي في الجزائر حالة من التململ، نتيجة شروع عدد من الصحف في تسريح صحافييها وعمالها في صمت، بسبب تقلص مداخليها بشكل غير مسبوق، بينما لجأت جل المؤسسات الصحافية لمخططات تقشفية، بغية مواجهة انحدار الإعلان الحكومي الذي تحتكر توزيعه مؤسسة الوكالة الوطنية للنشر والإشهار (الإعلان)، إلى مستويات قياسية تصل في بعض الأحيان إلى حدود 75 بالمئة مقارنة بالعام 2015.

ويرى مختصون أن تراجع مساحات الإعلان الحكومي، مؤشر قوي على حدة المخطط الاقتصادي التقشفي، الذي تطبقه الحكومة مع مطلع العام الجاري، بما أن مضامين الإعلان الحكومي هي مشروعات للتنمية والخدمات والتوظيف، فالمؤسسة التي كانت تستقبل إلى غاية العام 2014 أكثر من 200 صفحة يوميا من الإعلانات، لم تعد تستقبل في بعض الأحيان سوى 50 صفحة، وهو ما يضعها أمام حرج شديد في كيفية توزيعها على أكثر من 160 عنوانا، منها حوالي 20 توصف بـ”غير قابلة للمساس”، وهي صحف حكومية وصحف خاصة مقربة من السلطة، أو مملوكة لرجال أعمال ونافذين في السلطة.

ويعود احتكار المؤسسة للإعلان الحكومي، إلى التسعينات ولم يرفع إلا لسنوات قليلة، ثم ما لبث أن عاد إلى حضن السلطة، لرغبتها في التحكم في الخارطة الإعلامية، وعدم السماح للصحف المتمردة، بالاستفادة من أموال الخزينة العامة، فيما تغدق المؤسسة على الصحف الموالية لها. وعاد الحديث بقوة مع اشتداد أزمة الإعلان إلى الطرق الملتوية في توزيعه وضبابية المعايير المطبقة في الإغداق على الصحف، وحرمان البعض الآخر منه.

توظيف ملف الإعلان لغلق الصحف المُعارضة أو إضعافها

ويتجلى التمييز اللافت، بمجرد تصفح بسيط، بين الصحف الحكومية والموالية للسلطة، وبين تلك التي لا تمتلك في رصيدها إلا التواجد في الساحة بإصرار أطقمها المهنية.

وكان موقع “ألجيري باتريوتيك” المملوك لعائلة وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، قد فجر مؤخرا الممارسات المشبوهة المطبقة منذ التسعينات في المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، عبر الكشف عن وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الداخلية وتحمل توقيع الأمين العام للوزارة آنذاك لحسن سرياك، يأمر فيها الهيئات والمؤسسات الحكومية بتوجيه إعلاناتها صحف معينة اثنتين منها تعود ملكيتهما إلى المستشار الأمني للرئيس السابق اليامين زروال والجنرال محمد بتشين، وهما “الأصيل” و”لوتونتيك”.

وأدرج البعض الوثيقة “السرية”، في إطار الصراع السياسي والتراشق الحاد المتفجر بين رموز مرحلة التسعينات، لكن الواقعة تؤكد طريقة تسيير المؤسسة وخضوعها المستمر لنفوذ اللوبيات العسكرية والسياسية والمالية، وتوظيف ريعها لحساب جهات معينة، رغم أنها محسوبة على قطاع الإعلام.

واستبشر صحافيون بتحريرها من قبضة الاستخبارات، بعد عقدين من التسيير المغلق، وشبهات الفساد مع بعض الناشرين، لكن تحولها إلى سلطة مدنية لم يغير في الأمر شيئا، حيث لا زالت نفس الممارسات تطبق في تسييرها، وريعها يوزع بطرق المحاباة والولاء والنفوذ، ولا مجال فيها لمعايير كمية السحب والانتشار وتوظيف اليد العاملة، ورغبات المعلنين في العناوين التي يفضلون نشر إعلاناتهم فيها.

وعلق الإعلامي سليم صالحي بالقول “هذا الملف من أخطر ملفات الفساد في الجزائر، وهو مُرتبط بمنظومة الفساد التي تحكم البلاد، والحديث عنه يجب أن يكون في هذا الإطار، وليس في إطار تصفية الحسابات بين الفاسدين”.

وأضاف “كنتُ مديرا عاما ومسؤولا للنشر بجريدة العالم السياسي، وأعرف هذا الملف جيدا، وأجزم بأن كل الوزراء ورؤساء الحكومات في الجزائر ودون استثناء، وعبر السنوات الطوال كانوا يخضعون لتعليمات أصحاب القرار في الرئاسة والمخابرات بشأن مليارات الإعلان العمومي، كما أنهم وظفوا ملف الإعلان لغلق الصحف المُعارضة أو إضعافها، في المقابل تم دعم صحف الموالاة بالمليارات، وهذا الوضع استمر واستفحل خلال الـ15 سنة الماضية”.

وذكر صحافيون بأن مزاعم مؤسسة توزيع الإعلان الحكومي، عارية عن الصحة وغير بريئة تماما، فبعض الجرائد التي يمتلكها مسؤولون سابقون وحاليون، لم تمسها الأزمة بتاتا، بل هناك من ارتفعت حصته بأكثر من 400 بالمئة، كما حدث مع جريدة يمتلكها برلماني، ساهم بقسط كبير في تمرير قانون الموازنة الأخير، حيث صار يحصل على صفحتين يوميا، بعد أن كانت تنال ربع صفحة في أحسن أحوالها”.

18