الصحف السودانية لن تطبع قبل أن تمر على الرقيب

امتلاك أجهزة حكومية لأسهم في الصحف للترويج لها، وجهات مسؤولة عن حماية الصحافيين منشغلة بصراعات داخلية.
الخميس 2018/07/26
الصحف السودانية في مواجهة القمع

الخرطوم – أكد عدد من الصحافيين أن جهاز الأمن السوداني وجه تعليمات لمسؤولي مطابع ورؤساء تحرير صحف وناشرين بعدم البدء في طباعة الصحف قبل أن تخضع لمراجعة رقيب.

ويعمد عادة الرقيب الأمني إلى نزع المواد التحريرية التي تتضمن نقدا للجهات الحكومية، كما يمنع جهاز الأمن منذ سنوات الصحف السودانية من نشر الأخبار والمقابلات مع رموز المعارضة للحركات المسلحة، إلا أن هذه التعليمات جديدة.

ورفع جهاز الأمن الرقابة القبلية على الصحف عام 2013، وعمد إلى معاقبتها بأثر رجعي عبر مصادرة المطبوع من أي صحيفة تتخطى المحظورات، وهو الأمر الذي تترتب عليه خسائر مادية فادحة للصحف التي تعاني في الأساس من ركود وتعثر في التوزيع.

ولا يتردد مسؤولو جهاز الأمن السوداني في إيقاف صحافيين عن الكتابة، كما يصدرون أوامر شفهية لرؤساء التحرير لتحذيرهم من تناول أو إبراز موضوعات بعينها.

بدوره، يتهم جهاز الأمن بعض الصحف بتجاوز “الخطوط الحمراء” بنشر أخبار تؤثر على الأمن القومي للبلاد.

ومنذ مطلع هذا الأسبوع شدد الأمن قبضته على صحيفتي “الجريدة” و”الصيحة” وظل على مدى ثلاثة أيام يعرقل عملية التوزيع بعد إكمال طباعة آلاف النسخ دون أن يقدم تبريرات بشأن السبب الذي ترتبت عليه خسائر مادية فادحة.

وقال رئيس تحرير “الجريدة” أشرف عبدالعزيز في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن نسخ الصحيفة صادرها الأمن بدون إبداء أي أسباب، قبل أن يستدعيه إلى إدارة الإعلام.

وأكد عبدالعزيز أن الجريدة تكبدت خسائر كبيرة جراء المصادرات الأمنية خلال العام الحالي، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات يترتب عنها معاناة إضافية للصحف في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب تراجع العملة الوطنية.

وكانت الجريدة قد نشرت تقارير مصورة لطوابير السودانيين أمام المخابز ومحطات الوقود. وتمت مصادرة أعداد الجريدة من المطبعة مباشرة لضمان عدم وصولها إلى أيدي القراء.

وأدان منتدى المحررين الأفارقة، مصادرة جهاز الأمن الوطني السوداني ثلاثة أعداد كاملة لصحيفة الجريدة.

منتدى المحررين الأفارقة يطالب الاتحاد الأفريقي بممارسة ضغوط على السودان لإلغاء القوانين المناهضة لحرية الإعلام

وطالب المحررون الأفارقة، الحكومة السودانية بالتوقف عن المصادرة التعسفية للصحف وعن تخويف الصحافيين. وفق بيان نشر على موقع “ذي إيست أفريكان” الإخباري.

ونبه البيان إلى أن هذه الخطوة من جانب جهاز الأمن السوداني إنما تستهدف تخويف الإعلاميين وحرمان الشعب السوداني من الوقوف على ما يحتاج من معرفة تساعده في اتخاذ قرارات بشأن حياته المعيشية.

وأعرب المحررون الأفارقة عن تضامنهم مع الصحافيين والناشرين في السودان، حاثّين إياهم على العمل دونما خوف من أجهزة الأمن السودانية.

كما حمّلوا جهاز الأمن الوطني السوداني مسؤولية حملة قمع الإعلام التي تسببت باعتقال 8 صحافيين على الأقل دون محاكمة ومصادرة أعداد صحيفتَي الجريدة والميدان.

وشهدت الآونة الأخيرة تظاهرات نظمها صحافيون ضد قانون جديد مقترح يستهدف تضييق الخناق على حرية الإعلام في السودان.

وطالب المحررون الأفارقة، حكومة السودان بإلغاء مسودة القانون المقترح وحلّ المجلس القومي للصحافة والمطبوعات.

وينص القانون المقترح على تخويل مجلس الصحافة في السودان حق حظر أي صحيفة من النشر لمدة 15 يوما دونما الحصول على قرار من المحكمة.

وحث المحررون الأفارقة في بيانهم الاتحاد الأفريقي على ممارسة ضغوط على السودان وحكومات أفريقية أخرى لإلغاء اللوائح والقوانين المناهضة لحرية الإعلام. ويشتكي صحافيون من تدخلات سافرة لجهاز الأمن الذي يسيطر على الصحف ويعاقبها في حال تجاوزها ما تسميه السلطات الأمنية بالخطوط الحمراء ويعمد إلى مصادرتها ومنع توزيعها.

وقال حسن بركية عضو سكرتارية شبكة الصحافيين السودانيين، إن الصحافة السودانية تعاني من إشكاليات عديدة، وأشكال مختلفة من الرقابة والمصادرة والتضييق والمنع، لجهة أن السلطة تستخدم تكتيكات مختلفة للسيطرة على الصحافة وتوجيهها، فهناك الرقابة القبلية والرقابة البعدية، وأشكال أخرى من التدخل من قبيل امتلاك النظام لعدد كبير من الأسهم في الصحف، بهدف تقديم وجهة النظر الرسمية للجمهور.

وأضاف أن هناك مشاكل هيكلية وإدارية في الصحف نفسها، واختار الكثير من الصحافيين ترك المهنة، أو هاجروا إلى خارج البلاد.

وأبدى بركية استغرابه من أن الجهات المنوط بها حماية الصحافيين مثل “المجلس القومي للصحافة والمطبوعات”، و”اتحاد الصحافيين”، قائلا أنها أصبحت مجرد جهة لجمع الجبايات والعقوبات.

وأوضح “الصحافة السودانية تمر بأسوأ فتراتها واتحاد الصحافيين الحالي والمجلس القومي للصحافة والمطبوعات صارا خصما للصحافة، وانشغلا بصراعهما على أموال ‘البطاقة الصحافية’، تاركين ظهر الصحافي مكشوفاً دون حماية”.

ونوه في نهاية الأمر “تستطيع القاعدة الصحافية أن تتوحد، وأن توجد لنفسها أساليب جديدة للعمل، فلا بد من تدريب الصحافيين للتعاطي مع وسائل الإعلام الجديدة كيلا يكونوا واقعين تحت رحمة الصحف، واحتكار الإعلان الحكومي الموجه، رغم تأثره بالأزمة الاقتصادية الحالية، حيث تذهب كل الإعلانات الحكومية لشركة أقمار لتقوم بتوزيعها على الصحف بمعايير ‘الإعجاب أو عدم الإعجاب'”.

ويتحدث صحافيون عن وجود نوع آخر من الرقابة لجأ إليه المسؤولون عن إدارة الصحف وهي أسوأ أنواع الرقابة. وهو ما جعلها تتحاشى نشر أي خبر أو مقالة رأي عن قضايا كثيرة تهم البلاد.

واستجابت الصحف لتوجيهات الأجهزة الأمنية الصارمة تفاديا للعقاب، باستثناء صحيفة واحدة هي صحيفة الجريدة، التي أصرت على رصد نبض الشارع السوداني واحتجاجاته “لتجد نفسها وحيدة أمام سلسلة من المصادرات التي امتدت عدة أيام متوالية”.

وبحسب منظمة “مراسلون بلا حدود”، في تقريرها الأخير فإن حرية الصحافة تشهد ترديا مريعا في السودان الذي تصنفه المنظمة كسابع أسوأ دولة من أصل 180 في مضمار حرية الصحافة.

18