الصحف المصرية تضحي بالجودة الفنية تفاديا لرفع أسعارها

كل الخيارات باتت مفتوحة الآن أمام المؤسسات الصحافية في مصر، لوقف نزيف الخسائر التي تتعرض له، جراء انخفاض سعر الجنيه أمام الدولار، ما تسبب في ارتفاع تكاليف الطباعة، حتى أضحت المؤسسات الصغيرة تواجه خطر الإغلاق.
الخميس 2016/12/01
الشريحة "المتماسكة" من جمهور القراء غير مضمونة في حال ارتفاع سعر الصحف

القاهرة - يعيش الصحافيون المصريون حالة من الهلع أمام المخاطر والتحديات، التي تواجه الصحافة المطبوعة، تخوفا من اتخاذ مؤسساتهم، سياسات تقشفية، وقرارات تعسفية، بالاستغناء عن البعض منهم، بدافع ترشيد الإنفاق، ما يضاعف من أزماتهم.

وشهدت الآونة الأخيرة، سلسلة من الاجتماعات بين ممثلي الصحف الخاصة والحكومية، للتوصل إلى حل وسط، يرضي القارئ والصحيفة، لمواجهة الأزمات المالية والاقتصادية، التي لم تعد تفرق بين كيانات صحافية كبيرة أو صغيرة، وسط تحذيرات من خطوة الإقدام على مضاعفة سعر النسخة الورقية، ليصل إلى 4 جنيهات (نحو 22 سنتا) بدلا من جنيهين، لتعويض الخسائر.

ودعت مؤسسة الأهرام الصحافية (الحكومية)، التي تتعاقد معها مختلف الصحف الخاصة والمستقلة والحزبية لطباعة إصداراتها، الصحف الخاصة، إلى ضرورة تحمل قدر من التكاليف الإضافية للطباعة، بنسبة 80 بالمئة، بسبب زيادة سعر الدولار، حتى تتمكن من الاستمرار في الطباعة، حيث كان سعر الدولار قبل عدة أشهر نحو 8.88 جنيه، وارتفع الآن ليسجل 18 جنيها، بنسبة زيادة قاربت 140 بالمئة.

ولم يجر الاتفاق بين المؤسسات الصحافية حتى الآن على الآلية التي سيتم من خلالها تعويض هذه الخسائر الفادحة، لكن يبدو أن الجميع سيتجه إلى تطبيق سياسة تقليل النفقات، من خلال التضحية بشكل وجودة الصحيفة، والتغيير في قوامها الأساسي المعروف لدى الجمهور بما لا يخل بالمضمون.

وقال صلاح عيسى، الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة، إن “رفع سعر الصحف المطبوعة في هذا التوقيت مغامرة غير محسوبة العواقب، وقد يدفع الكثير من الجمهور إلى العزوف عن الشراء، نظرا لارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات، الأمر الذي يدفع بالبعض من الكيانات الصحافية إلى الهاوية”. ورأى أن الحل الأمثل، وهو المرجح حاليا، أن تتبع الصحف ما وصفه بـ”سياسة الانكماش”، من خلال خفض عدد صفحات الجريدة، وحجم المطبوع منها، واستخدام نوعية رديئة “إلى حد ما” من الورق والألوان، أو أن تكون كل صفحات الجريدة “أبيض وأسود”، ما عدا الصفحتان الأولى والأخيرة، والصفحات الإعلانية، إن وجدت الإعلانات من الأساس.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن الصحف الخاصة “حرّة” في القرار الذي تتخذه لتعويض خسائرها، إما بخفض النفقات وإما العمالة، أو حتى زيادة سعر الصحيفة للجمهور، أما الصحف الحكومية “فإنها قد تعتمد على قوتها في جلب الإعلانات لتعويض فارق التكلفة، لكنها لن تخفّض العمالة، أو تتخذ قرارات من شأنها إبعاد الناس عن شرائها”.

صلاح عيسى: رفع سعر الصحف المطبوعة في هذا التوقيت مغامرة غير محسوبة العواقب

وأصبحت المؤسسات الصحافية بين نارين، بسبب ضبابية المشهد؛ إما تحمل الخسائر لعدة أشهر دون تعديل سعر بيع النسخة إلى حين استقرار الأوضاع الاقتصادية، وإما رفع السعر حتى يتم تحسين الأمور ثم التراجع عنه مستقبلا، لكنها ربما تفشل في تلافي الضرر.

وتمثل أسعار الورق نحو 70 بالمئة من إجمالي تكلفة الطباعة، والمتبقي ينفق على الحبر وقطع الغيار والمعدات والعمالة والكهرباء، ومع تحرير سعر الصرف بقرار من البنك المركزي، تضاعف سعر الورق.

وأشار مراقبون إلى أنه سواء اتخذت الصحف قرارا برفع السعر، أو لجأت إلى “السياسة الانكماشية”، فإن كلا الخيارين يصب في صالح المواقع الإخبارية الإلكترونية، التي سوف تنتعش ويزيد الاعتماد عليها مستقبلا من جانب الجمهور، الذي عزف كثيرا عن متابعة الصحافة الورقية، إما لارتفاع سعرها، وإما لتغير شكلها ومضمونها الذي اعتاد عليه.

وذهب هؤلاء المراقبون إلى أن الحل أمام المؤسسات الصحافية، أن تقوم بتطوير خدمة مواقعها الإلكترونية والمحتوى المقدم من خلاله، وتقديمها باشتراكات شهرية، على أن يكون ذلك باتفاق بين كل الصحف، بحيث لا تكون مجانية، وأن تكون المنافسة من خلال المحتوى الإخباري.

وتواجه الصحافة الورقية في مصر تحديات أخرى، تمثل المواقع الإخبارية ضلعا أساسيا فيها، حيث تقوم الصحف كل صباح بنشر المحتوى الإخباري والقضايا التي تكون المواقع، قد تناولتها قبلها بنحو 24 ساعة، ما يعني أن المحتوى المطبوع في الصحف، نسخ مكررة تشبه بعضها البعض.

ولا يمكن الخروج من هذا المأزق، إلا باتجاهها إلى تقديم نوع جديد من الصحافة، يُقبل عليه القارئ، ويدفعه لتحمل شرائها.

ويفرض التطور الحاصل في الصحافة الإلكترونية بمصر، تحديات أكثر وقعا على نظيرتها المطبوعة أمام كثرة الاعتماد في المواقع الإخبارية، على التوثيق الإخباري بالصور والفيديوهات والملفات التفاعلية والتحديثات السريعة، ما دفع البعض من الصحف إلى التوقف عن طباعة النسخة الورقية وتحويلها إلى إلكترونية بشكل كامل، ومنها صحيفتا “المصريون”، و”التحرير”.

ولم يستبعد سامي خليل، أستاذ الصحافة بالمعهد العالي للإعلام بالقاهرة، أن تسير بعض الصحف على نفس النهج، وتخرج من المنافسة المطبوعة، وتلجأ إلى عالم الصحافة الإلكترونية، كأحد بدائل الاستمرارية في المشهد الإعلامي المصري، لأن قرار رفع سعر الصحيفة المطبوعة سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة، وعزوف الناس عن الشراء.

وأوضح لـ”العرب” أن اعتماد بعض الصحف على “الشريحة المتماسكة” من جمهور القرّاء، والتي تعتمد على الصحيفة المطبوعة لمتابعة الأحداث لجهلها بالإنترنت أو الوصول إلى المواقع الإخبارية، واعتقادهم بأن هذه الشريحة سوف تظل كما هي مع رفع السعر، تفكير خاطئ، لأن هذه الكتلة قليلة جدا في المجتمع، وقد تتحول سريعا إلى البرامج التلفزيونية كبديل عن الصحيفة.

18