الصحف المصرية توقع قرار قطيعتها مع القراء بزيادة أسعارها

الصحف المصرية تحاول التقليل من خسائرها والخروج من أزماتها بزيادة أسعار الصحف والمجلات المطبوعة، لكن هذا القرار يكلفها فقدان ما بقي من القراء المنهكين ماليا من الأوضاع الاقتصادية الصعبة في البلاد.
الخميس 2018/08/09
القارئ لا يستطيع تحمل كلفة إضافية

القاهرة – اتفقت إدارات المؤسسات الصحافية المصرية، الأربعاء، على زيادة أسعار الصحف والمجلات المطبوعة، بنسبة تصل إلى 40 بالمئة لمواجهة ارتفاع مستلزمات الطباعة، في خطوة قد تدفع إلى المزيد من عزوف المواطنين عن شراء الصحف في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وعقدت الهيئة الوطنية للصحافة، وهي جهة مسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية الحكومية، اجتماعا الأربعاء، حضره رؤساء التحرير ومجالس إدارات المؤسسات الصحافية الحكومية والخاصة، للتشاور بشأن اتخاذ جملة من القرارات التقشفية للحفاظ على استمرار طباعة الصحف بأقل الخسائر الممكنة، ومحاولة الحصول على دعم حكومي أكبر في مواجهة الزيادات الكبيرة في تكاليف الطباعة، على رأسها زيادة أسعار الورق والحبر وتكاليف توزيع الصحف، وزيادة الخدمات المرتبطة بصناعة الصحف، مثل الكهرباء والوقود.

واتفق المشاركون في الاجتماع على أن يكون سعر الصحيفة اليومية ثلاثة جنيهات (0.16 دولار) بدلا من جنيهين (0.11 دولار)، على أن يكون العدد الأسبوعي للصحف القومية أو الخاصة بـأربعة جنيهات (0.22 دولار) بدلا من ثلاثة جنيهات، مع تقليل عدد الصفحات الملونة داخل كل مطبوعة، ترشيدا للنفقات، ويطبق القرار بدءا من أول سبتمبر المقبل.

وتواجه الصحف أزمة كبيرة نتيجة ارتفاع سعر ورق الطباعة إلى الضعف، في ظل عدم قدرة الإنتاج المحلي للورق على تغطية أكثر من 15 بالمئة من إجمالي استهلاك السوق المحلية، والذي يصل إلى 500 ألف طن سنويا.

هشام قاسم:  استمرار الصحف بشكلها الحالي لن يدوم طويلا، في السنوات المقبلة
هشام قاسم: استمرار الصحف بشكلها الحالي لن يدوم طويلا، في السنوات المقبلة

وتشير تقديرات إدارات المؤسسات الصحافية إلى أن تكلفة العدد الواحد من الصحيفة يصل إلى سبعة جنيهات، في حين أن صافي ما تحصل عليه الجريدة يبلغ جنيها ونصفا فقط، ما تسبب في خسائر فادحة، تحديدا للصحف القومية الكبيرة التي كانت تطبع مئات الآلاف من النسخ يوميا.

وأبلغت المؤسسات الصحافية الحكومية الشهر الماضي، إدارات الصحف الخاصة، والتي تتولى طباعتها بزيادة تكلفة الطباعة بنسبة 45 بالمئة، ما يجعل زيادة أسعار الصحف الخاصة أمرا حتميا، وسط المشكلات المالية المتفاقمة التي تعاني منها، بعد أن توقف بعضها عن صرف رواتب الصحافيين ولجأ آخرون إلى تقليص أعداد المحررين فيها إلى النصف.

وتواجه الصحف الخاصة مأزقا بشأن الزيادات الجديدة، فلجأت بعضها إلى تقليص أعداد صفحاتها لتصل صحيفة “الشروق” مثلا إلى 12 ورقة فقط، ما يجعل إقبال المواطنين عليها أمرا شبه معدوم.

وتركت الهيئة الوطنية للصحافة عملية رفع أسعار الصحف الخاصة والحزبية التي يصل سعرها بالفعل إلى ثلاثة جنيهات حسب ظروف وأوضاع كل مؤسسة، غير أن ذلك لا يزال مثار جدل.

وقال عبدالله حسن، وكيل الهيئة الوطنية للصحافة، إن إدارات المؤسسات تجد نفسها في موقف حرج بين الحفاظ على جمهورها الذي تقلص بالأساس والحاجة الملحة إلى زيادة أسعارها تماشيا مع سوق إنتاج الصحف، لافتا إلى أن مقترحات الإدارات الصحافية رأت أن تكون هناك زيادة نسبية في الأسعار يقابلها تقليل في أعداد الصفحات لتقليص الخسائر.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن العديد من الصحف ستبدأ في تنفيذ سياسات تقشفية ليس فقط على مستوى عدد الصفحات، لكن على مستوى العاملين وأعداد التوزيع، ويتوقع أن يكون هناك انكماش في سوق الصحافة الورقية بشكل عام، كما أن تطبيق تلك السياسات يختلف من مؤسسة إلى أخرى، حسب أوضاعها الاقتصادية.

ووفقا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن نحو 50 بالمئة من الصحف المستمرة بالصدور أغلقت خلال 5 سنوات فقط، بدءا من العام 2012 وحتى العام 2017، بالإضافة إلى تراجع توزيع الصحف من 2.5 مليون نسخة يوميا، إلى 400 ألف نسخة خلال العام الماضي.

وتشير تقديرات التوزيع في مصر، إلى أن هناك انكماشا في نسب التوزيع مع بداية العام الجاري، ويتراوح إجمالي توزيع الصحف حاليا بين 280 ألفا إلى 320 ألف نسخة في اليوم الواجد، وأن هناك تراجعا موازيا في توزيع الصحف التي يصل سعرها إلى ثلاثة جنيهات قد بلغ 50 بالمئة، ومن المتوقع أن ينعكس ذلك على باقي الصحف بعد زيادة أسعارها.

وتتلخص مشكلات الصحافة المصرية في محدودية الخيارات أمام تطويرها، ويرجع ذلك إلى ظروف عدة بعضها يرتبط بالقائمين عليها، الذين تتولد داخلهم مقاومة كبيرة للتغيير والخروج من النمط التقليدي للصحافة بمعناها القديم، والبعض الآخر يرتبط بضيق مساحة الحريات الممنوحة لها بحيث تستطيع أن تجذب الجمهور إليها بألوان مختلفة في مجال الصحافة.

وقال هشام قاسم، الناشر الصحافي ومؤسس صحيفة “المصري اليوم” الخاصة، إن القائمين على الصحف غير قادرين على اتخاذ قرارات اقتصادية تدعم استمرار تواجدهم، كما الحال بالنسبة إلى العديد من الصحف الكبرى التي فرضت رسوما واشتراكات على المحتويات التي تقدمها على الإنترنت كبديل عن طباعة الصحف وبيعها، وذلك يرجع إلى ضعف المحتوى الذي تقدمه.

توقعات بانكماش سوق الإعلام المصري مع استمرار خسائر المؤسسات القائمة
توقعات بانكماش سوق الإعلام المصري مع استمرار خسائر المؤسسات القائمة

وأضاف في تصريحات لـ“العرب”، أن استمرار الصحف بشكلها الحالي لن يدوم طويلا، والسنوات المقبلة سوف تشهد دمج وإغلاق العديد من المؤسسات الحكومية التي ظلت بمنأى عن الاقتراب منها لسنوات، لافتا إلى أن لجوء الصحف الورقية إلى التحول إلى إصدارات إلكترونية لن ينهي أزماتها في ظل سيرها باتجاه واحد خلف ركاب الحكومة التي تسيطر على ما تنشره الصحف.

ويعكس التشابه الكبير في عناوين الصحف اليومية والذي يرصده صحافيون بشكل متكرر طبيعة الأزمة الحالية، ويبدو أن هناك أزمة مهنية تغلب على القيادات التي تختارها الحكومة لتولي المناصب القيادية داخل صحفها، وارتباط ذلك بما تنشره الصحف بشكل عام، فضلا عن فرض رقابة ذاتية من قبل تلك القيادات على ما تنشره، من دون أن يكون هناك توجه عام بشأنها.

وما يزيد من مستقبل الصحافة الورقية المصرية غموضا، انتقال الأمراض التي تعاني منها الصحف الحكومية إلى الصحف الخاصة والتي كانت تتمتع بنسبة توزيع جيدة خلال السنوات التي تلت اندلاع ثورة يناير 2011.

18