الصحف الناطقة باللغات الأجنبية في مصر تعاني تراجع المحتوى وضعف التأثير

اعتماد الإصدارات الأجنبية على ترجمة المنشورات العربية أورثها نفس المشكلات.
الاثنين 2020/11/30
استنساخ المحتوى

شهدت السنوات الأخيرة تراجعا واضحا للصحف المصرية الناطقة بالإنجليزية والفرنسية في المضمون وفي الاهتمام بها من قبل الجهات المشرفة على قطاع الصحافة في مصر، ما دفع بعض الأصوات إلى المطالبة بإغلاقها أو الاكتفاء بتحويلها إلى مواقع إلكترونية، لفائدة الصحف الناطقة بالعربية.

القاهرة - تواجه الصحف الناطقة باللغات الأجنبية في مصر، مصيرا مشابها للصحف الناطقة بالعربية المتعثرة والمهددة بجملة من الأزمات المادية، فقد طالها التراجع والانزواء، ولم تعد جاذبة للقراء والمتابعين لها، ورقيا وإلكترونيا، ويهددها التوقف عن الصدور.

ويدور الحديث في الأوساط الصحافية في مصر حول اتجاه بشأن الاستغناء عن هذه الصحف توفيرا للنفقات، بعد أن كانت خارج نطاق تأثر الصحافة التقليدية، بسبب اتساع الحدود المسموح بها من النقد لديها، نظرا لاختلاف جمهورها، وتحررها نسبيا من قيود النشر المعمول بها في مثيلاتها العربية.

وعلى مدى سنوات طويلة، كان تباين الجمهور بين الصحف الناطقة بالعربية والأخرى الناطقة باللغات الأجنبية له أثر في طبيعة اختلاف مستوى الأداء، لأن الأخيرة كانت تُحاول التميز والتوافق مع مستوى الصحافة الأجنبية.

وإذا كان جمهور الصحف العربية يتسع ليشمل العامة باختلاف طبقاتهم ومهنهم، إلا أن جمهور الصحف الناطقة بالإنجليزية والفرنسية في الغالب يضم شريحة كبيرة من أبناء الجاليات الأجنبية المقيمة في مصر والشركات السياحية، والسفارات، والقنصليات، ومراكز الأبحاث والدراسات، فضلا عن أطياف من المجتمع المصري نفسه اعتادت القراءة باللغات الأجنبية. وعرفت الصحافة الناطقة بغير العربية طريقها للازدهار في مصر منذ عقود طويلة خلال فترة الاستعمار البريطاني، وكثافة الجاليات الأجنبية في البلاد.

وشهدت طفرة جديدة في التسعينات من القرن الماضي مصحوبة بزخم لافت عكس أهميتها، واستطاعت أن تكتسب أهمية، لأنها اتبعت أسلوبا مهنيا دقيقا، واستعانت بأجانب في الكتابة والتحرير والتبويب، وكانت بعيدة عن بيروقراطية الصحف الناطقة بالعربية.

وخلال السنوات الماضية، عرفت هذه الصحف تراجعا لافتا في المضمون، وتوقفت الإعلانات وهبطت معدلات التوزيع إلى مستوى منخفض، ما دفع بعض الأصوات داخل المؤسسات القومية إلى المطالبة بإغلاق الصحف غير الناطقة بالعربية، أو تحويلها إلى ملاحق أسبوعية، أو الاكتفاء بتحويلها إلى مواقع إلكترونية.

وهناك نوعان من الصحف الناطقة باللغات الأجنبية في مصر، الأول يضم الصحف الحكومية التابعة للمؤسسات القومية، مثل جريدة “إيجبشيان غازيت”، باللغة الإنجليزية، و”لو بروغريه” باللغة الفرنسية، الصادرتين عن مؤسسة دار التحرير للنشر، وكلاهما جريدتان يوميتان، وصحيفة “الأهرام ويكلي” الإنجليزية، و”الأهرام إبدو” الفرنسية، وتصدران عن مؤسسة الأهرام.

 أما النوع الثاني فيشمل صحفا مُستقلة مثل صحيفة “ديلي نيوز إيجيبت”، و”ميدل إيست أوبزرفر”، وتصدران باللغة الإنجليزية فقط.

ولم تستغل تلك الصحف بطريقة مثلى خطوط الاتصال والحوار مع الدول والمجتمعات الأوروبية نتيجة ضعف التأثير، ما جعلها عرضة للانتقادات مرارا.

وحملت المشكلات الضخمة التي تعاني منها المؤسسات الصحافية بشكل عام، تأثيرات واضحة على الصحف الناطقة باللغات الأجنبية، وساهمت في خفض الإنفاق على عمليات التطوير والتحديث المفترضة، وقللت من الاستعانة بكوادر جديدة على درجة من الكفاءة، فضلا عن إهمال الصحافة الإلكترونية وعدم إنشاء منصات جيدة للصحف الصادرة عن مؤسسات حكومية.

محمد صلاح عطية: الرواتب الهزيلة للصحافيين تدفعهم إلى العمل مع وكالات  الأنباء الدولية أو في مجال الترجمة

وقال محمد صلاح عطية رئيس تحرير “إيجبشيان غازيت” السابق، لـ”العرب”، إن “تدهور الأوضاع المالية في المؤسسات الحكومية غلَّ أيدي القائمين على الصحف الناطقة باللغات الأجنبية عن تجديد الدماء والاستعانة بخبرات صحافية على درجة جيدة من الكفاءة والوعي، ما أدى إلى تراجعها”.

وأوضح أن “الرواتب الهزيلة الممنوحة للصحافيين العاملين في تلك الصحف تدفعهم في الغالب إلى الحصول على إجازات بدون راتب، والعمل في أي من المؤسسات ووكالات الأنباء الأجنبية التي قد تحتاج إلى مراسلين لها في القاهرة، أو حتى للعمل في مجال الترجمة الأعلى دخلا”.

كما أن اللوائح والقواعد الإجرائية المعمول بها تجعل رئيس تحرير أي مؤسسة حكومية غير قادر على مكافأة صحافي متميز لديه بأكثر من مئتي أو ثلاثمئة جنيه على الأكثر (من سبعة إلى خمسة عشر دولارا) وهو ما يُساهم في ترسيخ مبدأ عدم الجدوى في الاجتهاد لدى الكثير من المحررين.

وفي بعض الأحيان، كانت مجالس إدارات المؤسسات القومية تنظر إلى الإصدارات الأجنبية لديها بنظرة استخفاف، وترى أن دورها هامشي، وتعتبر الإنفاق على باقي الإصدارات العربية أولى بالرعاية.

وأشار عطية لـ”العرب” إلى أن “جهل بعض الأشخاص في مجالس الإدارات بطبيعة الدور الحيوي الذي تقوم به الصحف القومية غير العربية أدى إلى قيامهم في بعض الأحيان بتعيين صحافيين لا يعرفون اللغات الأجنبية في أماكن قيادية بتلك الصحف”.

يضاف إلى ذلك أن الإصدارات الأجنبية تعتمد في ما تقدمه من مواد صحافية على المنشور في الإصدارات العربية، لأنه من المعتاد أن تقوم بترجمته وإعادة نشره مرة أخرى، ما يعني أن ضعف مستوى موضوعات الصحافة العربية يعني بالضرورة ضعفا موازيا في الصحافة الناطقة باللغات الأجنبية.

وتعاني الصحف الخاصة الناطقة بلغات أجنبية من مشكلة تراجع الجمهور نتيجة جملة أسباب، مثل تدهور السياحة خلال السنوات الأخيرة، وتراجع أعداد الجاليات الأجنبية تجنبا لحالة عدم الاستقرار التي سادت البلاد عقب احتجاجات يناير 2011.

وأثر هذا التراجع مباشرة في انخفاض الإعلانات المنشورة في الصحف الناطقة بغير العربية في العدد والقيمة، ما انعكس بصورة مباشرة على العوائد المالية لتلك الصحف، وأعاق مشروعات التطوير وتعظيم الأداء.

ولجأت بعض السفارات والقنصليات الأجنبية والشركات العالمية الكبرى العاملة في مصر مؤخرا، إلى التعاقد مع شركات إعلامية جديدة متخصصة في تقديم نشرات يومية تفصيلية تمثل إطلالة على كل ما يحدث بمختلف اللغات المطلوبة.

وأكد حسين عبدربه رئيس تحرير صحيفة “البورصة”، وهي الجريدة المالكة لـ”ديلي نيوز إيجيبت”، لـ”العرب”، أن “هناك خروجا واضحا في السوق المصري من الصحف الورقية بشكل عام، اتسع بعد ظهور وباء كوفيد – 19، ولا شك أن الصحف المصرية الناطقة بلغات أجنبية تأثرت بكل ذلك”.

ورغم وجود موقع إلكتروني للصحيفة، من الصعب انتقال قراء النسخة الورقية إلى الموقع، لأنهم في الغالب من الأجانب كبار السن، اعتادوا الإمساك بالصحف في أيديهم، ولا يفضلون القراءة عبر الوسائط التكنولوجية.

وثمة قدر من الرقابة الذاتية المبالغ فيه، والشائع عبر الوسط الصحافي ككل، ويؤدي في العموم إلى ضعف عام في المُحتوى، وتجاهل قضايا قد يراها البعض مثيرة للمشكلات، والالتزام والاكتفاء بصحافة البيانات الآمنة سياسيا.

وكان هناك أمل في أن تبقى الصحف الناطقة بغير العربية خارج متاهة الانزواء وفقدان أي نوع من التأثير في المجتمع، لكن يبدو أن زمن أفول الصحافة وضعف المحتوى يُلقي بظلاله على جميع الصحف في مصر.

وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة الأجانب الرئيسية لمعرفة ما يجري في مصر، فهناك عدد كبير من المصريين يكتبون ويعبرون عن آرائهم بلغات أجنبية، ما أوجد لهم حضورا نخبويا واسعا.

18