الصحف الورقية تملك الخيار بالبقاء أو الاختفاء

التكنولوجيا تعزز إمكانيات الصحف لتقديم مضمون جذاب.
الاثنين 2021/06/21
الصحف تستطيع أن تنهض من جديد

حان الوقت لتعيد المؤسسات العربية التفكير في أن مصير الصحف الورقية ليس محكوما بالفشل، من خلال تطوير نموذج أعمال يعتمد على التكنولوجيا الحديثة لجذب القراء والتفاعل معهم، والكف عن لوم الإعلام الرقمي بل استخدامه لدعم النسخ الورقية كما تفعل مؤسسات إعلامية عالمية.

القاهرة - قدمت وزيرة الإعلام اللبنانية منال عبدالصمد رؤية مختلفة عما هو سائد تجاه الصحافة الورقية، موضحة أنها ليست في مأزق وإنما بحاجة لإعادة النظر في ظل التحول في هذا النموذج من الأعمال، وزوال الصحافة الورقية هو خيار وليس مصيرا محتما.

وأضافت عبدالصمد، خلال حوارها مع برنامج “بالورقة والقلم” عبر فضائية “تن المصرية”، أن التكنولوجيا أمر واقع لا يمكن الفرار منه ويجب التأقلم مع التكنولوجيا والإسراع في استخدامها في كافة أعمالنا ومنها الصحافة.

ويتوافق كلام الوزيرة اللبنانية مع حقيقة موجودة في وسائل الإعلام العالمية التي نجحت في خططها للتحول الرقمي بالحفاظ على نسخها الورقية من خلال تطوير المحتوى في كلا المجالين مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وغيرهما حتى من المؤسسات الإعلامية الصغيرة.

ويقول خبراء إعلام إن المؤسسات الإعلامية العربية تستطيع أن تكون صاحبة مبادرة، بتعزيز إيجابيات وسائل التواصل وتطوّعها وتستفيد منها بالشكل الأفضل، والاهتمام أكثر بمجاراة العصر عبر الخدمات الرقمية المتنوعة، فكلما وسعت مجال استفادتها من هذه الوسائل رسّخت نموذجا اقتصاديا قادرا على البقاء.

وقد مكّن التطور التكنولوجي المؤسسات الصحافية من استخدام عناصر عدة مثل الصوت والصورة والألوان والفيديو والإنفوغراف لتقديم مضمون صحافي متميز يجذب انتباه الجمهور له بعيدًا عن الأشكال التقليدية التي سادت لعقود.

منال عبدالصمد: الصحافة الورقية ليست في مأزق وإنما بحاجة لإعادة النظر في ظل التحول في هذا النموذج من الأعمال

واتجهت الكثير من الصحف لاستخدام تقنيات مثل الواقع المعزز والواقع المختلط والهولوغرام، وقصص الفيديوغراف والكروس ميديا والقصص الإخبارية المصورة والقصص الإخبارية بأسلوب البطاقات وكلها أساليب في سرد وبناء المضامين الرقمية فرضتها التقنيات المستحدثة لشبكة الإنترنت.

وأعادت التقنيات الجديدة التي توفرها بيئة الإعلام الرقمي تشكيل الممارسة الصحافية على مستوى إنتاج وسرد المضمون بأساليب تتوافق وطبيعة المنصة الرقمية من جهة والتحول في أساليب تعاطي الجمهور الرقمي مع هذه المضامين من جهة أخرى.

ويعتبر مختصون أن على هذه المؤسسات إعادة التفكير في نظرتها للتطور التكنولوجي بأنه الحل وليس السبب في تراجع أعمالها، فالمطلوب منها تسخير الوسائل والتقنيات لخدمة قطاع الإعلام، إضافة إلى حماية المجتمع عبر نشر المعلومة الموثقة لا المضلِّلة ولا المزيَّفة.

ولم يعد ينحصر دور الإعلام في نقل الأحداث وتوضيح وجهات النظر الرسمية، بل أصبح في غالبية الأحيان صانع الحدث، والموجّه له، ومحرك الرأي العام بالتصعيد أو التهدئة، ويجب الاعتراف أن مواقع التواصل الاجتماعي منحت وسائل الإعلام التقليدية منصة بجمهور عريض، حيث أظهرت إحصاءات عالمية حديثة أن عدد المستخدمين النشيطين لمختلف منصات التواصل الاجتماعي حول العالم وصل إلى 4.14 مليار مستخدم نشط.

وتصدرت منصة فيسبوك مواقع التواصل الاجتماعي المستخدمة عالميًا بواقع 2 مليار و740 مليون مستخدم، وتتجلّى أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في أن 63 في المئة من المستخدمين يعتمدون هذه المنصات مصدر أخبار.

وتؤكد الدراسات والأبحاث المتنوعة أن وسائل الإعلام الجديدة لم تقضِ على الوسائل القديمة، ولا يمكن لأي وسيلة أن تلغي دور الوسيلة الأخرى بل على العكس فالإنترنت خدمت جميع وسائل الإعلام الجماهيري وعملت على تطويرها وعولمتها، وبشكل عام تسعى التكنولوجيا لتحطيم الحواجز بين الإعلام والجمهور وتخليصه من التلقي السلبي.

ويذهب البعض إلى القول بأنه لا يوجد صحف عربية مطبوعة توقفت بسبب الإعلام الإلكتروني، بل إن العديد من الصحف توسَّعت ولديها قرَّاء خارج الحدود بسبب الإعلام الإلكتروني، وهناك مؤسسات استثمرت الملايين في الإعلام الجديد، ولديها عائد من الإعلان الرقمي يضاف إلى الإعلان الورقي.

ويرى هؤلاء أن الصحافة المطبوعة تستطيع أن تنهض من جديد، ليس فقط عبر القدرة على إنتاج المعلومات، بل أيضا من خلال غربلة المعلومات العالمية والأخبار المتدفقة، والتركيز على الاختيار والتحرير وتوفير أهم المعلومات في الوقت المناسب للذين يحتاجون إليها، وجمع عناصر المعلومات عن الأحداث والأفكار والناس.

ويجمع متخصصون إعلاميون على أهمية الحفاظ على الصحافة المحلية حتى لو كانت غير مربحة، فدورها أهم من معايير الربح والخسارة، وفق أستاذ التاريخ والزميل الدائم في معهد العلوم الإنسانية في فيينا تيموثي سنايدر.

ويقول سنايدر “أدرك أن الصحافة المحلية ليست مربحة ولكن الكثير من الأشياء ليست مربحة أيضًا، فالمياه النظيفة ليست مربحة، والوصول إلى المريخ ليس مربحًا. الكثير من الأشياء التي نقوم بها ليست مربحة على الفور”.

وأضاف في تصريحات لدويتشه فيله “أعتقد أن التقارير المحلية مهمة للغاية بالنسبة إلى الديمقراطية، وأنها لا تزال غير معترف بها إلى حد كبير. لكنني أعتقد أيضًا أنها مشكلة يمكن حلها”.

المؤسسات الإعلامية العربية تستطيع أن تكون صاحبة مبادرة، بتعزيز إيجابيات وسائل التواصل وتطوّعها وتستفيد منها بالشكل الأفضل

وتابع “هذا مهم للغاية لأنه إذا لم يكن لدى الناس صحف محلية. فإنهم لا يثقون فيما يسمونه وسائل الإعلام طوال حياتهم”.

وهناك أمل أن تظل الصحافة تلعب دور الناقل الأساسي للأخبار الجدية؛ لأن الصحافيين أفضل إعدادا وتدريبا لكي ينجحوا بفاعلية في جمع الأخبار والمعلومات وتصنيفها وربطها باستخدام الأدوات الجديدة.

كما أن الصحافي المحترف استعاد دوره في زمن الانتشار الواسع للأخبار المضللة، ولم يعد المواطن الصحافي يحظى بالموثوقية التي تفرضها المؤسسة الإعلامية على صحافييها، وتطالبهم باليقظة التامة بشأن ما ينشرونه.

وتحدثت عبدالصمد عن هذا الدور في الصحافة العربية قائلة إن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام الرقمي هي الأخبار المضللة وما يرتبط بها من فوضى.

وأضافت أن ضبط الإعلامي يحتاج إلى قواعد تراعي خصوصية الأوضاع في الدول العربية، لافتة إلى أن الإعلام العربي لعب دورًا رياديًا ومميزًا في مواجهة العديد من التحديات غير المسبوقة، فالأزمات تتراكم وتتزامن مع بعضها، ومن الضروري وجود إعلام واعٍ ومسؤول يستطيع نقل الصورة بمصداقية وموضوعية. فغياب المعلومات يفتح الباب أمام المعلومات المضللة.

وبالنسبة إلى قراء الصحف الأوفياء فإنها تمرض لكنها لا تموت، والصحافة التي تُعنى بالخبر والرأي والتحليل لا تنتهي، ويكمن التحدي الكبير أمامها في شكل غير تقليدي يناسب اللحظة الراهنة، بينما مواقع التواصل الاجتماعي، رغم سرعتها في نقل الأخبار، فإنها لا تصنع الخبر وإنما مجرد منصة لنقله وحتى أنه لا يمكن الوثوق بصحته دائما.

18