الصحف تخسر ثقة القراء بالاختباء وراء افتتاحيات مجهولة الأسماء

تحاول العديد من الصحف الأميركية المواربة وتنشر افتتاحيات دون ذكر أسماء كتابها، وهو ما يؤثر على القراء وثقتهم في وسيلة إعلام تفصل بين القسم التحريري وقسم الأخبار في تناولها للشأن السياسي، لذلك يجب أن تعتمد الصحف في افتتاحياتها على الحجج والبراهين دون حرج من ذكر الأسماء الصريحة لكتابها.
الأربعاء 2016/10/05
ثقة الجمهور في وسائل الإعلام الأميركية في أدنى مستوياتها

لندن- طالب كاتب أميركي إدارة الصحف في بلاده، بالتخلي عن الافتتاحيات غير الممهورة باسم، لضعف تأثيرها على القراء، والتركيز بدلا من ذلك على تقديم حزمة إخبارية محايدة. وقال إيريك ألترمان في مقال له، إن ثقة القراء بالصحف في انحدار مستمر لكونها أصبحت تمثل موقفا سياسيا لهذا الحزب أو ذاك، وهذا بالضبط ما حدث لصحيفة واشنطن بوست في افتتاحيتها مؤخرا.

وحاولت واشنطن بوست في افتتاحيتها غير الممهورة باسم، في 17 سبتمبر الماضي، مواربة موقفها، عبر نشر رسالة رسمية نفى فيها الرئيس الأميركي باراك أوباما أن إدوارد سنودن توجه له بطلب العفو، وأنه تم تحميل المسؤولية فقط لسنودن بموجب سلسلة من الإجراءات التي تم اتخاذها بعد تسريبه المعلومات إلى الصحيفة، وذلك بدلا من تحميل المسؤولية للصحيفة نفسها، وواقع الأمر أن سنودن لم يكشف شيئا بنفسه للجمهور، لكن واشنطن بوست والغارديان هما من فعلتا ذلك.

ووجهت افتتاحية الصحيفة طعنة لقسم الأخبار فيها، وإذا نحي غياب الحجة والجدارة جانبا، فإن الافتتاحية جاءت بمثابة مفاجأة كبيرة للكثير من قراء الصحيفة. وأشارت كاترينا فاندن هوفل في مجلة “ذي نيشن” إلى أن افتتاحية واشنطن بوست ذكرت أنه تم تقديم “المواد (المسربة) لمجلس جائزة بوليتزر، وتسعى الصحيفة إلى الفوز بجائزة بوليتزر للخدمة العامة”.

وانتهز غلين غرينوالد، وهو أحد المراسلين الذين كانوا على اتصال بسنودن، الفرصة للتعليق على افتتاحية واشنطن بوست، وقال إذا كان محررو الافتتاحية “يملكون أي موضوعية مهنية على الإطلاق”، فإنهم سوف “يتحملون المسؤولية المؤسسية عما يعتبرونه خطئا جسيما يشكّل خطرا على الجمهور”. ولكن التركيز على”المسؤولية المؤسسية” هو تناول خاطئ عند التطرق لهذا الجدل، بحسب ألترمان، إذ أن افتتاحية لمؤلف مجهول تدفع إلى الفصل التام عند التقييم بين أخبار الصحيفة، وإدارة التحرير في واشنطن بوست.

إيريك ألترمان: يجب السماح للكتاب الذين يقدمون الحجج بتحمل المسؤولية عن مواقفهم

ويرى بارتون غلمان، الذي نال جائزة بوليتزر مع لورا بواتراس حول تقاريرهما بشأن سنودن، “إنه شيء جيد لواشنطن بوست وللصحافة عموما، أن كتاب الرأي لا يعطون رأيهم مطلقا في الأخبار”. ويميل البعض من الصحافيين إلى الفخر بهذا الفصل، رغم أنه أسلوب يخلق بلبلة عند متلقي الأخبار. فلم يمض وقت طويل على نشر افتتاحية واشنطن بوست، حتى كتب المراسل الصحافي، بول فرحي، في مقال له “الحقيقة أنه لا يوجد شيء كالإعلام، إنه بمثابة اختراع أو أداة متعددة الاستعمالات بيد أشخاص لا يرون مشكلة في تمييز الأشياء عن بعضها”.

وبعد إجراء استطلاعات للرأي، الواحد تلو الآخر، اتضح أن معظم الناس لا يمتلكون إمكانية التمييز. فعندما يهاجم المحافظون “وسائل الإعلام”، من الواضح أن قلقهم نابع في المقام الأول من وسائل الإعلام النخبوية. ويصرون جميعا على أن الصحافيين هم من الليبراليين وتقاريرهم منحازة ضد المحافظين. وتمكن المحافظون من إقناع الكثير من الأميركيين بأن “وسائل الإعلام” منحازة إلى الليبراليين. وساهم الانقسام بين الأخبار والتحرير في تأكيد سوء الفهم هذا، ويرى العقلاء من الحزب الجمهوري أن الحزب قد فصل نفسه عن الواقع في السنوات الأخيرة. وهذا هو السبب في عدم تأييد الصحيفة وصول دونالد ترامب للرئاسة، رغم أن الصحيفة دعمت كل من المرشحين الجمهوريين للرئاسة منذ العام 1890.

وفي الوقت نفسه، نشرت العديد من الصحف تقارير إخبارية بطريقة أظهرت نوعا من الاحترام لمعتقدات ترامب الغريبة، وفي الكثير من الأحيان حاولت الإيحاء بتكافؤ زائف بين مزاعم ترامب الحاقدة ومبالغات هيلاري كلينتون، وبلامبالاة في البعض من الأحيان. ويقول ألترمان “لأن افتتاحيات الصحف كلها مناهضة لترامب، فقد حصل العديد من القراء على انطباع معاكس، ويعتقد الناس أن التغطية الإخبارية يجب أن تكون كذلك. لكنهم بهذا يرتكبون نفس الخطأ الذي ارتكبه غرينوالد، هم يفترضون أن هذا يندرج في إطار ‘المسؤولية المؤسسية’، رغم أن عمليات التحرير والأخبار ليس لها أي اتصال مع بعضها البعض”. والأكثر من ذلك أن تطبيق هذا الحكم على جميع وسائل الإعلام، ينتهي بالتوصل إلى نفس وجهة نظر اليمين، لكن في الحقيقة هذا مجرد تكتيك صممه نشطاء سياسيون في الحزب الجمهوري لجلب أنصارهم.

ولا يعتبر من قبيل المصادفة، أن ثقة الجمهور في وسائل الإعلام الأميركية تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ العام 1972 على الأقل، وفقا لاستطلاع للرأي أجرته مؤخرا مؤسسة غالوب. ويقترح إيريك ألترمان كحل لهذه المشكلة، التخلص من الافتتاحيات غير الموقعة خصوصا التي تتناول الشأن السياسي، حيث ينبغي السماح لأولئك الكتاب الذين يقدمون الحجج بتحمل المسؤولية الشخصية عن مواقفهم دون تحميلها إلى “المسؤولية المؤسسية”. وبالتالي ربما يتحول المحررون إلى صوت سياسي متميز كثيرا ويتم الإنصات إليهم في مجتمعاتهم، إنها مؤسسات محلية وينبغي أن تتولى مسؤولياتها على محمل الجد.

واليوم، معظم الصحف هي جزء من تكتلات متعددة الجنسيات تهتم كثيرا بأرباح الشركات في المجتمعات التي من المفترض أن تكون فيها. وبفضل الإنترنت، فإن هذه المجتمعات نادرا ما تستند إلى جغرافيا محددة. ويوجه ألترمان دعوة بقوله “فكروا في ذلك، لماذا يجب أن يهتم القراء في واشنطن بعدد من كتاب الافتتاحيات العاملين وفق مزاج الملياردير المستقر في مدينة سياتل؟ لماذا يجب أن يهتم سكان نيويورك بما يفكر فيه روبرت مردوخ؟”. ووفقا لمسح أجرته مؤسسة بيو في العام 2007، فإن أقل من ثلاثة من كل 10 أميركيين يعتقدون أن تأييد الصحف المحلية الخاصة ليس له أي تأثير على منح أصواتهم.

ويقود هذا الافتراض إلى تراجع هذا العدد عن الإقبال على الصحف. ولكن معظم القراء يرتبكون حول طبيعة الأخبار ويصدقون قصص المحافظين عن التحيّز الليبرالي. ومن المفارقات، أن هذا الاعتقاد غالبا ما يؤدي بالصحافيين إلى التراجع عن قناعاتهم ومحاولة إظهار اعتدالهم أمام حجج المحافظين الحمقاء. ويجب أن يشعر الصحافيون المستقلون بقدرتهم على اعتماد كل الحجج التي تجعل أصحاب العمل لا يشعرون بحرج عند النشر، لكن في المقابل قد يتلقى غرور كتاب الافتتاحيات وأصحاب الصحف ضربة موجعة، ولكن ذلك سوف يجعل مصداقية هذه المهنة ونوعية ديمقراطيتنا تتحسن بشكل ملحوظ.

18