الصحف تضحّي بالرسوم الكاريكاتيرية في أزماتها الاقتصادية والسياسية

رسامو الكاريكاتير العرب يطمحون للوصول إلى حرية التعبير التي يتمتع بها زملاؤهم في الغرب وبرزت رسوماتهم في العالم لرسوم الصحافة الكاريكاتيرية.
السبت 2020/09/26
كاريكاتير يغني عن الكتابة والتقارير الصحافية

تواجه رسوم الكاريكاتير تضييقا في الصحف والمجلات مع تراجع حجم المساحات المخصصة لها. فهي أول ما يتم حذفه أو تقليص مساحته إذا ما اقتضت الحاجة. إضافة إلى القيود على محتواها ومحاولة الضغط على الرسامين لتخفيف حدة النقد وترميز رسوماتهم بطريقة لا تزعج الحكومات والأنظمة.

لشبونة- تشهد رسوم الكاريكاتير تراجعا مستمرا في الصحافة العالمية والعربية، فمع اختفاء الكثير من الصحف والمجلات، تقوم مطبوعات أخرى بخفض المساحة المخصصة للكاريكاتير التحريري، لهذا صمّم القائمون على المعرض العالمي لرسوم الصحافة الكاريكاتيرية على إقامته رغم الظروف الصحية المرتبطة بأزمة كورونا.

ويقام المعرض في نسخته الـ15 في كالداس دا راينها في البرتغال، بهدف رئيسي ألا وهو الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير عبر رسوم الكاريكاتير، حيث يعتبر رسامو الكاريكاتير أن هذه المهنة تعاني أزمة كبيرة ولا تقتصر على مشكلة الرقابة فقط بل تتخطاها إلى مشكلة ثقافية أكبر، تضع مستقبل رسوم الكاريكاتير على طريق الزوال. صحيح أنه يمكن مشاركة الفنانين رسومهم على الإنترنت مع العالم كله، إلا أن نشر الرسومات على الإنترنت لا يكون بمقابل دائما.

وارتبط فن الكاريكاتير منذ نشأته في أوروبا في القرن السادس عشر بفكرة التمرد والنقد. فكلمة كاريكاتير مأخوذة أصلا من كلمة كاريكير “Caricare” الإيطالية التي تعني المبالغة أو تحميل الشيء ما لا يحتمل.

واستخدم الفنانون الرسوم لانتقاد الكنيسة الكاثوليكية، وهو ما سارت عليه هذه الرسوم في معاصرتها لمختلف الأنظمة والسلطات منذ ذلك الوقت، الأمر الذي يفسر موقف الحكومات المستبدة المعادية لرسوم الكاريكاتير في العالم أجمع.

ويرى بعض المراقبين أن فن الكاريكاتير في العالم العربي يتعرض حاليا لهجمة قوية من جانب بعض الأنظمة التي ترى فيه مُحرضا على الثورة والانتقاد، وأداة من أدوات الحشد السياسي للمعارضة. إذ أن فن الكاريكاتير له قدرة على إيصال فكرة تفوق الكتابة والتقارير الصحافية.

ويواجه فن الكاريكاتير العربي تضييقا داخل الصحف الحكومية والخاصة، مع تراجع حجم المساحات المخصصة له في هذه المطبوعات بشكل عام، حيث أصبحت رسوم الكاريكاتير في مقدمة المواد التي يتم حذفها أو تقليص مساحتها إذا ما اقتضت الضرورة التحريرية، أو في حالة زيادة مساحة الإعلانات.

ومع الضغوط المتزايدة على هذا الفن من قبل السلطات السياسية، وجدت الكثير من الصحف لاسيما العربية أن الاستغناء عنه أسلم، أو على أّقل تقدير توجيه الرسامين إلى التخفيف من حدة الانتقاد.

المؤسسات الصحافية  لا توظف رسامي كاريكاتير إنما تتعامل معهم  بالقطعة، وهو أمر ينعكس على مصدر دخلهم
المؤسسات الصحافية  لا توظف رسامي كاريكاتير إنما تتعامل معهم  بالقطعة، وهو أمر ينعكس على مصدر دخلهم

ويفيد أنطونيو أنطونس، مدير المعرض العالمي ورسام الكاريكاتير البرتغالي، بأن “الضغوط الممارسة على حرية الصحافة تخلق مناخا، بالواقع سيء بالنسبة للرسوم المتحركة. هناك العديد من رسامي الكاريكاتير الذين طُردوا من عملهم، وآخرين خضعوا للرقابة، وهناك من تم اعتقاله أو نفيه. أعتقد أن محبي الحرية لا يمكنهم إلا أن يحبوا الرسوم الكاريكاتيرية، وبالتالي علينا خوض هذه المعركة، وكسب الجمهور خلال هذا التحدي”.

كما ألقت الأزمة الاقتصادية التي تمر بها غالبية الصحف العربية، بظلالها على رسوم الكاريكاتير بسبب انخفاض أسعار الصحف والمجلات، وتدهور الإعلانات والإيرادات، حيث لا تقوم المؤسسات الصحافية بتوظيف رسامي كاريكاتير وإنما تتعامل معهم بالقطعة، وهو أمر ينعكس على مصدر دخل هذه الفئة التي تعاني من قلة الموارد المادية.

وتمكنت بعض الأنظمة العربية من استغلال الأزمة الاقتصادية لإسكات رسامي الكاريكاتير في بعض الصحف من خلال التضييق عليهم في مسألة التوظيف بالصحف والمجلات أو تقليل رواتبهم ومخصصاتهم المالية. فكان الخيار أمامهم إما بالجلوس في منازلهم وإما الابتعاد عن الرسومات التي تعبر عن مشكلات المجتمع الحقيقية، إلا في حدود ما تسمح به السلطات والتي تتمثل في موجات الغلاء، وارتفاع تكاليف المعيشة، والتضييق على مجالات التعبير عن الرأي، وغيرها من قضايا المجتمعات العربية.

وتسمح بعض الحكومات بالكاريكاتير كنوع من أنواع “التنفيس”، للتعبير عن الرأي منعا لموجات الغضب والصدام مع الحكومات.

ويلجأ أغلب رسامي الكاريكاتير في العالم العربي إلى الرمزية في رسوماتهم الساخرة وحتى من دون كتابة نص أو كلمات، ويستطيع رسامُ الكاريكاتير التعبيرَ عن أفكاره وموضوعاته بطريقة واضحة، وهو أبرز ما يمثل فن الكاريكاتير الذي يستطيع التعبير عن قضايا غاية في السوداوية والمأساوية من خلال رسومات بسيطة تجلب الضحك والسخرية معا.

ويطمح رسامو الكاريكاتير العرب إلى الوصول إلى حرية التعبير التي يتمتع بها زملاؤهم في الغرب وبرزت رسوماتهم في العالم لرسوم الصحافة الكاريكاتيرية. فقد ظهرت صورة كاريكاتيرية لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، التي نال عنها رسام الكاريكاتير الألماني فرانك هوبمان جائزة.

ويقول هوبمان “إنها حقا مشكلة كبيرة أن تطبع الصحف أعدادا أقل من الرسوم المتحركة والرسوم الكاريكاتيرية وأخرى ساخرة. الأمر ككل يتعلق بالحرية وحرية التعبير، وإن تجاهلت الصحف هذا الأمر، إذن نحن أمام مشكلة كبيرة، كبيرة حقا”.

وجاء المعرض بنسخته الجديدة ليكافئ الرسامين عن الأعمال التي تم تنفيذها خلال العام 2019، العام الذي استهدفت فيه الرقابة وبشكل خاص رسامي الكاريكاتير، وتحديدا في ما يسمى بـ”أرض الحرية”، الولايات المتحدة.

وتم اختيار 280 رسما للمشاركة في المسابقة من أصل 1000 تقريبا، وتعالج أبرز القضايا في العالم، من المناخ إلى أزمة الهجرة، إضافة إلى الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي منحت البرازيلي كاو غوميز الجائزة الثانية عن فئة الرسوم الافتتاحية.

ويتحدث هذا الرسم الكرتوني عن صعود الصين، الأمر الذي يزعج الأميركيين بشدة، الذين لطالما امتلكوا إمبراطوريات وامتيازات. وتدفع بعض البلدان، وخاصة في أميركا اللاتينية، طوال الوقت ثمن هذا النزاع. أما الآثار الجانبية فتشعر بها الدول الأقل حظا.

كاريكاتير

ويتساءل المعرض العالمي لرسوم الصحافة الكاريكاتيرية عن الاعتماد المتزايد على شبكات التواصل الاجتماعي، باعتبارها وسيلة تساهم بنقل أعداد متزايدة من “الأخبار المزيفة”.

ووافق المعرض بنسخته الجديدة وللمرة الأولى، على عرض الأعمال التي نشرت على الإنترنت وليس فقط على الورق، مثل الكاريكاتير الفائز بالجائزة الثالثة الذي رسمه البرتغالي بيدرو سيلفا لكريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي.

وقال سيلفا، “فيما يتعلق بالصحافة المطبوعة، صحيح أنه وفي كل مرة نجد رسومات أقل. لكن من المهم أن يستخدم محبو الرسم، وصناعة الرسوم الكاريكاتيرية والكرتون هذه المنصات بشكل متزايد، ومن ثم يمكننا الوصول إلى أي مكان”.

وتم افتتاح المعرض العالمي لرسوم الصحافة الكاريكاتيرية أمام الجمهور في مركز الثقافة والمؤتمرات في كالداس دا راينها ومن المقرر أن يستمر إلى غاية 15 نوفمبر القادم.

وكان من المقرر إقامة هذا المعرض في مايو الماضي لكن تم تأجيله إلى سبتمبر بسبب فايروس كورونا. ووفقا لتوقعات القائمين على المعرض، ينتظر أن يحظى أيضا باهتمام واسع في الرسومات التي ستعرض في نسخة العام 2021.

18