الصحيفة تطبع وسط الرصاص وقنابل الدخان

صحافيو "تكتك" شبه مجهولين، هم صحافيو الرصيف الذي جمع العاطلين عن العمل وشباب الجامعات صحافيو هذا الجيل المهمش.
الثلاثاء 2019/11/12
شباب يرسم مجتمعاً خاص

هو مشهد استثنائي يبدو غريبا وغير مألوف، هذا الذي يتعلق بالحراك الشعبي الذي يشهده العراق وهو يدخل أسبوعه الثالث ولا يبدو أنه مهيّأ للانفضاض.

تعددت توصيفات وسائل الإعلام للمشهد بين من يسميه حراكا شعبيا ومن يسميه مظاهرات ومن يسميه انتفاضة شعبية وصولا إلى من يسميه ثورة.

وبصرف النظر عن كل هذا فإننا أمام مشهد صحافي متكامل يستحق من الصحافة والصحافيين أن ينهلوا منه في جميع الاتجاهات.

ومهما قيل في التقليل من ذلك الحراك أو عدم التعويل عليه لكونه ليس مليونيا وبلا قيادة واضحة ومعلنة له، فإن ما يلاحظه الصحافيون والمراقبون المواكبون لهذا الحراك الشعبي أنه حراك تضامني شمل قطاعات الشعب كافة تقريبا.

هنا يتم إنتاج واقع اجتماعي جديد لجيل أخذ على عاتقه أن يخرج ممّا يسمى بعنق الزجاجة، وأن يفرض وجوده بجميع الوسائل بعدما ترك للآخرين أن يقرروا مصيره ومستقبله لسنوات طويلة خلت ولكنها انتهت الآن.

هنا في ساحة التحرير مثلا حيث معقل التظاهرات الاحتجاجية الغاضبة يتكامل مجتمع شبابي مثابر يتوزع ما بين الطبابة وإسعاف المتظاهرين الذين يصابون بالرصاص الحي وقنابل الغاز المدمّع وقنابل الدخان وبين خدمات الإطعام والتنظيم وغير ذلك.

وفي كل صباح يبحث شباب ذلك الحراك عن قصصهم في أيّ صحيفة متاحة ولكنهم كانوا يصابون بخيبة أمل من جراء اتهامهم بأنهم غير سلميين وأن جهات خارجية تحرّكهم وأنهم يمارسون العنف ويتعمدون إيذاء القوات الأمنية.

هذه الأعذار تتزامن مع سقوط قرابة 300 ضحية من القتلى وأكثر من عشرة آلاف من الجرحى، من بين المتظاهرين فضلا عن اختطاف العشرات، فما السبيل لكي يعكس الحراك صوته ويعبّر عن نفسه؟ هذا السؤال كان برسم شباب هذا الحراك الشجاع ولهذا قرروا أن يصنعوا جريدتهم الخاصة بهم في وسط قنابل الغاز المدمّع والرصاص الحي وقنابل الدخان ومن هنا ولدت صحيفة “تكتك” وقد صدر منها عددان حتى الآن.

توثيق لمجريات يوميات عموم ساحات التحرير في العراق
توثيق ليوميات عموم ساحات التحرير في العراق

اختار محررو هذه الصحيفة الميدانية اسم المركبة البسيطة التي تفوقت على سيارات الإسعاف في نقل الجرحى والمصابين بسبب مرونتها وسرعة حركتها، اسما لصحيفتهم.

هنالك من أطلق على الانتفاضة نفسها بأنها انتفاضة الشباب والتكتك.

ومهما قلنا عن تلك الصحيفة البسيطة بحجم تابلويد فإن الحكومة ومراقبين مساندين لها أخذوها على محمل الجد.

صحيفة “تكتك” كانت قد نشرت المطالبات الشعبية من قبيل تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخابات وغيرها وهي مطالبات جيل شاب لا تزال الحكومة العراقية تحاول تجاهله وتهميشه وتراهن على عامل الوقت لإيقاف انتفاضته.

هي صحيفة أقرب إلى المانيفيستو أو إلى إعلان يومي عن نشاطات ساحة التحرير فضلا عن مستجدات أخرى.

 من هنا اتخذتها بعض الأطراف وثيقة للتشهير بالمتظاهرين السلميين على أنهم ينشرون مطالب انفعالية وغير واقعية وأنهم يعبثون بالأمن والاستقرار، إلى آخر الاسطوانة المعلومة.

صحافيو “تكتك” شبه مجهولين، هم صحافيو هذا الرصيف الذي جمع العاطلين عن العمل وشباب الجامعات وعموم الفئات الشبابية، وهم صحافيو هذا الجيل المهمش والمنسي الذي تمت مصادرة حقه في الحياة والحرية في بلد هو من أغنى بلدان العالم من جهة، وأكثرها فسادا أيضا من جهة أخرى.

صحافيو “تكتك” لا يريدون لصحيفتهم الشهرة بقدر أن يطلقوا صوتا ولو خافتا لهم وأن توثق الصحيفة مجريات ليوميات ساحة التحرير وعموم ساحات التحرير في المحافظات الأخرى.

خلال اليومين الأخيرين ازدادت حدة القمع اليومي للمتظاهرين وكانت الحكومة تحلم أنه بزيادة أعمال القمع وتفشي ظواهر الاختطاف سوف تقل وتيرة التظاهرات، ولربما سوف يكون ذلك القمع الدموي كافيا لتوقف صحيفة “تكتك”، لكن مجتمع الانتفاضة العراقية فوجئ باستمرار “تكتك” في الظهور من وسط الرصاص الحي والقنابل المدمّعة وقنابل الدخان، ومن الواضح أنها لن تتوقف بسهولة.

18