الصداقات الإلكترونية محفوفة بالمخاطر

استطاعت التكنولوجيا أن تخلق عالماً جديداً من التواصل الإنساني والاجتماعي، فكان ظهور الإنترنت سبباً في ظهور مفهوم جديد للصداقة، وهو الصداقات الإلكترونية التي باتت ظاهرة منتشرة في شتى المجتمعات وتتعدد أشكالها من مواقع ومنتديات ومواقع تواصل اجتماعي وغيرها.
الخميس 2015/09/10
كثرة الأصدقاء على الفيسبوك تفقد الشخص خصوصيته

لندن - كشفت دراسة بريطانية حديثة أن الأشخاص الذين لديهم مئات الأصدقاء على موقع فيسبوك معرضون لمضايقات ومحتوى غير لائق، الأمر الذي يتسبب لهم في أضرار نفسية.

وقالت الدراسة التي أعدها باحثون في جامعة “نوتغهام ترينت” البريطانية، إن الأشخاص الذين تضم حساباتهم مئات الأصدقاء الافتراضيين، أكثر عرضة إلى تعليقات قد تدمر سمعتهم، ذلك أنه كلما زاد عدد الأصدقاء بات من الصعب تحديد توجهاتهم وسلوكهم.

وأوضحت الباحثة في العلوم الاجتماعية، سارة بوغلس، إن الأشخاص في الواقع يعرفون الذين يتعاملون معهم، وما الكلام الذي يصلح قوله أمامهم، في إطار الحدود الاجتماعية، لكن العالم الافتراضي يلغي هذه الحدود.

وأكدت أن الحدود الاجتماعية تتلاشى في الفيسبوك، خاصة عندما يشارك المستخدم كافة المعلومات الخاصة به مع الجميع. ونتيجة لذلك، يفقد الشخص الذي لديه مئات الأصدقاء على فيسبوك خصوصيته، ويعرض نفسه لأضرار نفسية تطال سمعته، ويصبح ضحية لسوء استخدام البيانات من قبل الآخرين.

وأشارت الباحثة البريطانية إلى أن الأشخاص الذين لديهم أقل من 150 صديقا على فيسبوك، باستطاعتهم إدارة تدفق المعلومات، لأنهم مدركون للأشخاص الذين يشاركونهم التعليقات على الموقع، أكثر من أولئك الذين لديهم مئات أو آلاف الأصدقاء.

ومن جهة أخرى كشفت دراسة بريطانية أنجزت على ألف مستخدم للفيسبوك، من الفئة العمرية التي تزيد عن 18 عاما، أن متوسط الأصدقاء في حساب كل مشترك في الدراسة بلغ نحو 671 شخصًا. وعندما سئلوا عن عدد الأصدقاء الحقيقيين الذين يتواصلون معهم أكدوا بأنهم 18 في المتوسط.

وذكرت الدراسة أن 80 بالمئة من مستخدمي الفيسبوك، لديهم في قائمة الأصدقاء أشخاص غير مرغوب فيهم، ونحو النصف تقريبا يسعون لتجنب هؤلاء الأشخاص في حال رؤيتهم في الشارع.

الأشخاص الذين تضم حساباتهم مئات الأصدقاء الافتراضيين، أكثر عرضة إلى تعليقات قد تدمر سمعتهم

وأوضحت أن الإبقاء على أعداد كبيرة من الحسابات الشخصية لأشخاص غير مرغوب فيهم أو لا يعرفونهم معرفة مباشرة مرجعه الفضول والرغبة في التلصص بين الحين والآخر على حساباتهم الشخصية، بالإضافة إلى كون هؤلاء الأشخاص غير المرغوب فيهم قد يكون أحد أفراد العائلة أو زميلا في العمل يصعب حذفه بسهولة. وأشارت الدراسة إلى وجود احتمالات بوجود شخص أو شخصين في قائمة الأصدقاء لا يرغب الشخص في قضاء وقت جميل معهم في الحياة الحقيقية.

كما أظهرت دراسة حديثة ظاهرة طغيان شبكات التواصل الاجتماعي، أن مقابلة الأصدقاء عبر هذه المواقع لا يغني أبدًا عن ضرورة رؤيتهم والتحدث إليهم وجها لوجه. وتمّ سؤال مجموعة من الأشخاص عن تفاعلهم مع أصدقائهم ومقابلتهم وجهًا لوجه أو عبر سكايب وذلك لمدة 14 يوماً. وبمقارنتهم بآخرين يستخدمون الهواتف، الرسائل النصية ومواقع التواصل الاجتماعي، وجد أن المجموعة الأولى كانت تضحك بنسبة 50 بالمئة أكثر، ومصنفة بالفعل على أنها الأكثر سعادة.

ووجدت أن الأشخاص الذين يتحدثون مع أصدقائهم وجهًا لوجه أكثر سعادة بنسبة 50 بالمئة عن هؤلاء الذين يستخدمون مواقع الدردشة والتواصل الاجتماعي للسؤال عن أصدقائهم والتحدث معهم.

وأكد الدكتور سام روبرتس، كبير المحاضرين في جامعة تشيستر البريطانية أن هذه المواقع لا تساعد الناس على تكوين صداقات حقيقية.

وحول الصداقات الإلكترونية وإيجابياتها وسلبياتها خاصة مع زيادة إقبال المجتمع عليها في الفترات الأخيرة، توضح أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية الجندي، أن الإنسان في كل مكان وزمان من الطبيعي أن يبحث عمن يستأنس به، فتلك هي الطبيعة البشرية، والصداقة بشكل عام هي علاقة إنسانية سامية تنتج عن تفاعل وتقارب روحي ونفسي، وبحكم ظهور التكنولوجيا والانتشار السريع للإنترنت في حياتنا أصبحنا أمام مفهوم جديد من الصداقة وهو ما يسمى بالصداقة الإلكترونية.

الحدود الاجتماعية تتلاشى في الفيسبوك خاصة عندما يشارك المستخدم كافة المعلومات الخاصة به مع الجميع

وتضيف الجندي “لا ننكر أن صداقات الإنترنت قربت المسافات بين البشر في جميع أنحاء الدول، فأصبح من السهل جداً الوصول إلى أي شخص من أي دولة في ثوان معدودة خاصة في ظل انشغال الجميع بمشاغل الحياة وهمومها مما كان سبباً في زيادة التباعد بين البشر، فنستطيع القول إن صداقات الإنترنت سهلت من عملية التواصل، فأنت تستطيع أن تتحدث إلى صديق تعرفه منذ سنوات ولكن الظروف الزمنية والمكانية باعدت بينكم، كذلك تستطيع أن تصل بالإنترنت إلى قريبك المتواجد في قارة أخرى رغم كل الحواجز والحدود الجغرافية، فهذه الصداقات إذا وظفت بالشكل الصحيح تسهم بشكل كبير في تدعيم العلاقات الإنسانية وتعزيزها”.

من ناحية أخرى، ترى الجندي أن غياب الرقابة على هذه الصداقات يحمل العديد من السلبيات ويظل محفوفاً بالمخاطر خاصة بالنسبة إلى المراهقين والأطفال، فللأسف من سلبيات هذا النوع من الصداقات أنه يتم من خلال عالم افتراضي ومن وراء شاشة، فمن السهل جداً أن يستخدم الشخص الكذب وانتحال شخصية مزيفة للإيقاع بالشباب والمراهقين، إضافة إلى أن هذه الصداقات قد تسمح بالمزيد من التجاوزات في المحادثات دون وجود أي رقابة والتي قد تتطرق إلى موضوعات غير أخلاقية.

وتستطرد “اتجاه المراهقين إلى محادثة أشخاص لا يعرفونهم تحت مسمى الصداقة الالكترونية قد توقعهم فرائس لأصحاب الضمائر الضعيفة، والذين قد يقنعونهم باسم الصداقة إلى التورط في علاقات مشبوهة أو القيام بممارسات لا أخلاقية، لذلك فلا بد من توخي الحذر جيداً قبل الدخول في أي محادثات مع أشخاص غرباء وعدم الخوض في أي تفاصيل حياتية”.

ويرى خبير التنمية البشرية، الدكتور ميلاد موسى، أنه على الرغم من أن صداقات الإنترنت تسمح بمزيد من التواصل الاجتماعي والإنساني إلا أنها في الكثير من الأحيان تفتقد الشفافية والمصداقية. فالأقنعة من خلال العالم الافتراضي متاحة لمن يريد أن يرتديها، كما أن هذا النوع من الصداقات قد يسهم في زيادة الفجوة الأسرية، قضاء ساعات طويلة أمام شاشة الحاسوب يزيد من عزلة الفرد وانطوائيته عن محيطه الاجتماعي الطبيعي، وربما قد لا يتواصل مع أسرته وأخوته في نفس المنزل بنفس الطريقة التي يتواصل بها مع الغرباء عبر الإنترنت.

21