الصداقات والكتب العذراء

الاثنين 2016/02/01

الصديق والكتاب يتشابهان إلى حدّ بعيد، فكلاهما يسهم في جعل حياتك أقلّ تجهما، وأكثر صلة بالضوء أو الفرح. لكنك، في مرحلة ما ولأسباب عديدة، قد تجد نفسك، مدفوعا إلى تشذيب مكتبتك، وقد تجد نفسك ميالا، وبالقوة ذاتها ربما، إلى تشذيب الكثير من صداقاتك أيضا، فكثرة الخلطاء تقود إلى الحضيض، كما يقول الراحل نجيب المانع؛ فلا بدّ أن تنتقي لحصيلتك الرشيق منهما إذن. وتبدأ هذه الظاهرة عادة حين تقصي بعض الكتب إلى رفوف خلفية، أو عالية، لا تكاد ترى. فلم يعد العمر ولا رفوف المكتبة قادرين على تحمّل هذا العبء: أعني كتابا لا جدوى منه، أو صديقا صار وجوده أو عدمه سيّان.

تكتشف، ذات لحظة صافية ربما، أن بعض ما لديك من الكتب فائض عن الحاجة، فهو يقبع، كصديق لا يعنيه أمرك، بعيدا عن نداءات روحك وتلهفها إلى المعرفة. لم يدفعك الحنين، أو حقوق العشرة القديمة إلى تصفحه أو إلقاء تحية عابرة عليه. وتبدأ الفلترة والتشذيب. وهكذا لا يبقى على الرفوف الأولى ولا يظل ملء القلب أو الذاكرة إلّا أفضل الكتب، وإلّا أجمل الصداقات. وكلاهما يعطران نعاسك ويقظتك: أحيانا تستيقظ من نومك، وهو ما يزال طريا وفي بدايته، وكأن فراشة خفيفة تدعوك إلى فرح يخصك وحدك. لتجد نفسك تتجه إلى المكتبة، إلى كتاب بعينه. يقتادك إليه نداء غامض، حميم، أو رائحة حبر خاصة، تماما كما يدعوك فجأة حنين مفاجئ إلى صديق شديد الوفاء.

وتأمُّل الكتب مصدر متعة خاصة، تتشربها في أمكنة عديدة: في المكتبات المتخصصة، في محلات بيع الكتب، في المكتبات الشخصية. يحدث أحيانا أن تزور صديقا، فتجد نفسك فريسة لنداء داخليّ ملحّ: أن تتأمل مكتبته. غواية قد تجدها مدعاة للحرج أحيانا، مع أنها لا تجرح حين نتأملها، لياقة أو عرفا نحرص على مراعاته. أهو الفضول المحض؟ أم الرغبة في اكتشاف ما يجمعك بهذا الصديق من مشتركات روحية أو ثقافية؟ أم هي الرغبة في الاطلاع على مطبخه العقلي أو الثقافي؟

لكن متعة التأمل هذه، قد تقودك، في حالات معينة، إلى أسئلة تعكر الكثير من مزاجك، وهو مزاج قابل للكسر أصلا. يتباهى البعض بوفرة ما لديه من الكتب. الكثرة لا النوع، والعدد لا الوظيفة المعرفية هما الهاجس. عادة ترسّخت بمرور الزمن، أو هواية ذات بريق اجتماعيّ خاطف ربما، لكنه لا يعمر طويلا، فقد ينفع مرأى الكتب المرصوصة على الرفوف بعناية في استدراج ضيف ما إلى التأمل، أو بعث الحياة في جلسة خاملة، تماما كهوايات جمع الطوابع، أو التحف، أو المسابح.

لكنك حين تسأل هذا البعض، جادا أو عابثا، عن صلته بهذه الكتب فلا أظنك ستظفر بإجابة نافعة. هكذا جاءته هذه الكتب، مصادفة، أو عن طريق الإهداء الذي يتمّ أحيانا بدافع الحرج أو الإلحاح. كتب لا تزال عذراء، لم يمسسها بشر ولا جان. ليس بينها وبين صاحبها إلاّ النسيان واللامبالاة. يتأملها ببرود، ويهملها دون إحساس بالندم. كما أن هذه الكتب ذاتها لا توحي بأفق ما يشدّ أواصر المحبة بينها، سوى الرفوف أو الغبار، كتب خرساء لا يحاور بعضها بعضا، ولا تدلّ على شغف جامعها بالمعرفة، أو ميله إلى موضوع ما.

كثرة الكتب أو تنوّعها في حدّ ذاته، وفي أحيان كثيرة، قد لا يعني حنينا متأصلا في النفس إلى الجمال أو المعرفة، قد لا يعني إلّا المباهاة وحدها. وفي حالات كهذه لا نملك إلا أن نتذكر، وبعمق، تلك الحكمة الفرنسية البيضاء: لا تقرأ الكتب الجيّدة، اقرأ أفضلها فقط.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14