الصداقة اختبار رسبت فيه مواقع التواصل الاجتماعي

تغير السياق الاجتماعي للصداقات يضعها على المحك مع بروز مجموعة جديدة من "تطبيقات المواعدة".
السبت 2019/10/05
العلاقات تتلاشى في العالم الافتراضي

الصداقات الافتراضية تبدو أكثر سهولة ومتعة من العلاقات الواقعية، ولا تحتاج إلى الالتقاء وجها لوجه، لكن تغير المقومات الأساسية للعلاقات الاجتماعية قد يحد من فرص بناء علاقات صداقة حقيقية في الواقع، ويفتح الباب للمضايقات التي تسلب راحة البال، وتؤثر على الصحة النفسية والحياة العملية وحتى العلاقات الاجتماعية.

تبنى الصداقات في الواقع على الكثير من الاهتمامات والصفات الفكرية والخصائص النفسية المشتركة، لكن مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة لم تعد معظم العلاقات الاجتماعة تخضع لشروط معينة أو مقتصرة على عدد معين من الأفراد، بل أصبح الكثيرون لا يمانعون في إضافة عدد كبير من الأشخاص الغرباء إلى قائمة معارفهم، ويدخلون معهم في نقاشات وجدالات حول مواضيع مختلفة ويشاركونهم أدق تفاصيل حياتهم.

ورغم قيمة الصداقات الافتراضية التي مدت جسورها في فضاءات فيسبوك وسكايب وواتساب وانستغرام والعديد من المواقع الأخرى، وجعلت الناس يشعرون بالانتماء إلى العالم السيبراني، من دون حتى أن يحتاجوا إلى مخاطبة بعضهم بعضا وجها لوجه، فإنها ساهمت في “انهيار السياق الاجتماعي” للعلاقات. وهذه الظاهرة مثلت مصدر قلق للخبراء.

ونوهت سارة بوغلس، الباحثة البريطانية في العلوم الاجتماعية إلى أن الأشخاص في الواقع يعرفون مع من يتعاملون، وما الكلام الذي يصلح قوله أمامهم،  ضمن إطار الحدود الاجتماعية، لكن في العالم الافتراضي ألغيت جميع هذه الحدود.

واعتبرت بوغلس أن الحدود الاجتماعية تلاشت بسبب مشاركة المستخدمين لكافة المعلومات الخاصة بهم مع الجميع. مشددة على أن المستخدم الذي لديه مئات الأصدقاء يفقد خصوصيته، ويعرض نفسه لأضرار نفسية تطال سمعته، ويصبح ضحية لسوء استخدام البيانات من قبل الآخرين.

وأشارت بوغلس إلى أن الأشخاص الذين لديهم أقل من 150 صديقا على فيسبوك، باستطاعتهم إدارة تدفق المعلومات، لأنهم مدركون للأشخاص الذين يشاركونهم التعليقات على الموقع أكثر من أولئك الذين لديهم مئات أو آلاف الأصدقاء.

وكشفت دراسة بريطانية أن 80 بالمئة من مستخدمي فيسبوك، لديهم في قائمة الأصدقاء أشخاص غير مرغوب فيهم، ونحو النصف تقريبا يسعون إلى تجنب هؤلاء الأشخاص في حال رؤيتهم في الشارع.

صداقات قابلة للاضمحلال
صداقات قابلة للاضمحلال

وقال جوزيف غريني الباحث الأميركي في مجال العلوم الاجتماعية “إننا نحاول أن نخاطب الآخرين بصراحة واحترام من خلال التعامل المباشر معهم، خلافا للمناقشات عبر المواقع الإلكترونية التي لا تتطلب ردا مباشرا من الطرف الآخر ولا تعطي إمكانية لرؤية كيفية تأثير كلامنا في الآخرين”.

وأضاف “الشبكات الاجتماعية ليست هي المشكلة، بل أسلوب استخدامها من قبل المشتركين هو الذي يتسبب في سوء التفاهم وتراجع الحوار، ما يمكن أن يؤدي إلى تقويض أفضل العلاقات الشخصية التي نعتز بها”.

كما نوه الخبراء إلى أن معظم الأشخاص يقضون أوقاتا طويلة على مواقع التواصل الاجتماعي على حساب الوقت الذي يقضونه مع عائلاتهم أو الأشخاص الذين يعرفونهم في الواقع.

ولا تكمن المشكلة في الإدمان على مواقع الإنترنت فحسب، بل في الإغراءات الكثيرة التي توفرها تلك الفضاءات، والتي تجعل الناس يبتعدون عن بعضهم ويفضلون العلاقات الافتراضية التي تبدو أكثر متعة لهم من العلاقات الواقعية، حيث يستطيعون أن يكونوا مع من يريدون من دون أن يضطروا إلى تحمل مسؤوليات تلك العلاقات أو الالتقاء بشكل مباشر.

ويستخدم نحو نصف سكان العالم تقريبا الآن وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر وإنستغرام، وويبو وويتشات وكاكوستوري في آسيا.

وفي غرب وشمال أوروبا يستخدم ما يزيد عن تسعة من عشرة أشخاص على الأقل وسيلة من هذه الوسائل.

ووفقا لمركز “بيو” للأبحاث، يستخدم 24 في المئة من مستعملي الإنترنت موقع “تويتر”، في حين يستخدم 29 في المئة منهم موقع “لينكد إن”.

والأهم من ذلك، تقول شركة فيسبوك إن مستخدمي موقعها يقضون أكثر من 50 دقيقة يوميا في المتوسط في تصفحه.

80 بالمئة من مستخدمي فيسبوك لديهم في قائمة الأصدقاء أشخاص غير مرغوب فيهم

وفي السنوات الأخيرة برزت مجموعة جديدة من التطبيقات التي تتخذ نفس نهج تطبيقات المواعدة، وتحاول العمل على تغيير الطريقة التي يبني بها الناس شبكة علاقاتهم الاجتماعية.

وتمتلك شركة “ماتش غروب” عددا من هذه التطبيقات، من بينها “تندر” و”ماتش دوت كوم”، يمكن أيضا للمستخدمين البحث من خلاله لتكوين شبكة علاقات بمهنيين متشابهين في العقلية أو طريقة التفكير، ومن ثم يمكنهم الالتقاء بهم في الحياة الواقعية، وليس فقط في عالم الإنترنت الافتراضي.

ويعد تطبيق “تندر” من أشهر منتجات شركة “ماتش غروب”، إذ يتجاوز عدد مستخدميه 3.5 مليون مستخدم، من بينهم 368 ألفا اشتركوا في الربع الأول من 2018. وإضافة إلى تندر وماتش دوت كوم، تمتلك شركة ماتش مواقع المواعدة “أوك كيوبيد” و”بلنتي أوف فيش” و”ميتك آند بيرز”.

ويحتاج مستخدمو تندر الذي أُطلق عام 2012 في الأساس إلى حساب على فيسبوك للتمكن من استخدام التطبيق، وهي المعلومات التي تكون فيما بعد بيانات ملفات المستخدمين الرئيسية. لكن في عام 2017 أتاح التطبيق خيارا جديدا بإنشاء حساب دون الحاجة إلى فيسبوك.

وأكدت ماتش غروب أن ملفات المستخدمين الشخصية على تندر باتت إلى حد كبير ملفات جديدة من إنتاج المستخدمين وحدهم، وأن خوارزميات التعارف على التطبيق لا تعتمد على فيسبوك أو أي بيانات أخرى تابعة لطرف ثالث.

وهناك تطبيق آخر يسمى “بمبل بيز”، ويعطي التطبيق الفرصة للمستخدمات بشكل خاص لاختيار شبكة المعارف وطلب الصداقة من أشخاص آخرين.

أما تطبيق “شابر”، الذي يضع حدا لعدد الأصدقاء الجدد في اليوم الواحد، فيعطي الفرصة لمستخدميه لتكوين علاقات تتميز بجودتها، وليس بعددها، ويستخدمه أكثر من مليون شخص.

لكن إلى أي مدى نجح مستخدمو هذه الفضاءات الإلكترونية في ربط علاقات صداقة ناجحة؟

السؤال أجابت عنه الكاتبة أوليفيا بيتر في مقال لها بصحيفة ذي إندبندنت، أكدت فيه أن ثقافة المجتمعات في العصر الحالي مشبعة بوسائط التواصل الاجتماعي، ما يجعل احتمال ربط صداقات في وضع “غير متصل بالإنترنت” أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

وأشارت أوليفيا إلى أهمية الاستفادة من العلاقات الاجتماعية القائمة، مهما بدت غير مهمة، مشددة على أنها أفضل وأسهل طريقة لتشكيل صداقات جديدة.

وكشفت دراسة أجريت بالتزامن مع حملة أطلقت في بريطانيا في عام 2018 للقضاء على الإحساس بأن أكثر من نصف البالغين في المملكة المتحدة يشعرون بأنهم لم يتعرفوا على صديق جديد منذ “وقت طويل”.

المشكلة تكمن في أسلوب الاستخدام
المشكلة تكمن في أسلوب الاستخدام

وشبهت أبحاث سابقة ضرر غياب العلاقات الاجتماعية بتدخين 15 سيجارة في اليوم، فالعلاقات الاجتماعية والصداقات لا تؤثر على الحد من مخاطر الموت أو الإصابة بالأمراض فحسب، بل يمكن أن تساعد أيضا على التعافي من الأمراض.

وتقول دراسات حديثة إن الشعور بالوحدة يمكن أن يؤثر على وظائف نظام المناعة للأشخاص الذين ليس لديهم أصدقاء، مما يضر بنوعية النوم لديهم ويعرضهم لخطر الإصابة بأمراض القلب وضغط الدم وكذلك الخرف.

وفي الوقت الذي تبدو فيه مسألة إقامة علاقات صداقة أمرا سهلا اليوم، في ظل وجود شبكات التواصل التي تمس وترا إنسانيا يتعلق بالرغبة في التواصل مع آخرين، فإن ذلك يطرح الكثير من التحديات.

ويعتقد المدافعون عن علاقات شبكة الإنترنت أن التعرف على صديق عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وتبادل الأفكار والمشاعر معه قبل رؤيته وجها لوجه أمر إيجابي، لكن المشكلة تكمن في أن صديق الإنترنت بإمكانه تغيير اسمه ونوعه وجنسيته وحالته الاجتماعية بضغطة زر، نظرا إلى أن الخط الفاصل بين هويته الحقيقية وهويته على الإنترنت غامضة، ولذلك من الضروري الحذر لتجنب الوقوع في الكثير من المشاكل التي قد يجلبها الأصدقاء الوهميون.

ويقول روبين دونبار، أستاد علم النفس التطوري في جامعة أكسفورد الأميركية الذي قارن في إحدى دراساته مدى التشابه بين الصداقة على فيسبوك والصداقة في الواقع، إن المرء قد يمتلك أحيانا ما معدله 150 صديقا على فيسبوك، لكن 15 منهم يمكن أن يصنفهم على أنهم “أصدقاء حقيقيون” و5 فقط “أصدقاء مقربون”.

ويرى دونبار أن هذه الصداقات قابلة للاضمحلال أو الاندثار في ظل غياب التواصل المباشر بين الأصدقاء، وربما تشكل مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة من أجل تقليص معدل هذا  الاندثار. لكن هذا الأمر لن يستمر في النجاح طويلا، في حال بقاء غياب التواصل وجها لوجه فترة ممتدة.

ويتفق رأي دونبار مع دراسات أشارت إلى أنه بالرغم من سهولة إقامة العلاقات الاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها على الأرجح تؤدي إلى علاقات اجتماعية أكثر سطحية، في حين العلاقات الاجتماعية التي تنشأ في أماكن بالهواء الطلق تكون أكثر قوة بالضرورة.

وتبدو معايير اختيار الأصدقاء في الواقع أكثر صرامة مما يحدث في العالم الافتراضي وتحتاج إلى أن يبذل المرء جهودا أكبر للتواصل الاجتماعي مع غيره، لذا فمن المرجح أن تزيد معايير الاختيار الاجتماعي للأصدقاء الأكثر صرامة من فرص استمرار تلك العلاقات لفترة أطول، وأن تصبح تلك العلاقات ذات أهمية أكبر في الحياة.

21