الصداقة الحقيقية عملة نادرة جدا

الجمعة 2014/10/31
الصداقة السليمة عطاء دون انتظار مقابل

القاهرة- الصديق الحميم يكون شريكاً لصديقه في كل ما يعتري الحياة من صعاب فيقاسمه همومه ويعوده في مرضه، ويشاركه أفراحه ويقاسمه أتراحه، والصداقة في معناها الحقيقي هي المحبة بلا هدف سوى مؤازرة الأصدقاء والوقوف بجانبهم دائما، ومع تغيير ظروف الحياة واشتداد أزماتها، هل لا زال الصديق الصدوق موجودا، أم أنه أصبح ثالث المستحيلات مع الغول والعنقاء؟

الصديق هو شفافية مطلقة من حيث الصدق، وهو مرآة صديقه التي يرى بها عيوبه فيقلع عنها، وأيضاً محاسنه ومميزاته فيعمل على تنميتها.

تقول سلوى سليمان 25سنة: لديّ صديقات كثيرات، ولكني شعرت براحة نفسية تجاه إحدى زميلاتي منذ الصغر، وكانت تلك بداية لصداقة قوية مازالت تجمع بيننا، خاصة عندما حدثت بعض المواقف التي شعرت من خلالها أنها صديقة حقيقية ظهر معدنها في الأوقات العصيبة، وأشعر أنها تخاف عليّ وتوليني اهتمامها كأم أو أخت.

“للأسف أنا لم أقابل صديقة حقيقية حتى الآن”، هكذا بدأت حنان محمد 15 سنة كلامها، حيث أكدت أنها لا تختار أصدقاءها، ولكنها أحياناً تشعر بارتياح نفسي تجاه صديقة معينة أكثر من باقي الصديقات والزميلات، فيكون اختيارها لتلك الصديقة مؤقتاً ينتهي بانتهاء الدراسة أو الظروف التي جمعتهما سوياً، وتضيف: إلى حين العثور على صديقة حقيقية، فإن أختي الكبرى تحتل حالياً هذا المكان، فهي التي تعوّضني عن غياب الصديقة الحقيقية.

الشخص الذي يستطيع تكوين صداقات سليمة يكون أكثر قدرة على ضبط النفس في المواقف التي تثير الانفعال ولا يعبر عن انفعالاته بصورة طفولية

أما شيماء السيد 20 سنة فتقول: والدتي دائماً ما تحذرني من التعامل مع الناس بقلب مفتوح، وتطلب مني أن يكون عندي نوع من الحرص والحذر، فأحياناً يحدث نوع من التوافق النفسي بيني وبين إنسانة أخرى فنقترب من بعضنا البعض وتنمو علاقة وطيدة بيننا، لكنني حتى في هذه الحالة أكون حذرة جداً في علاقتي بها ولا أحكي لها عن خصوصياتي بسبب نصائح والدتي لي.

وكان علينا الوقوف أيضاً على آراء الشباب في اختيارهم لأصدقائهم، وقال محمد سامي 24 سنة، إن الصداقة الحقيقية هي التي تكون بغرض الصداقة فقط وليس لأي سبب آخر، وألا تكون من ورائها مصالح لأحد الطرفين، وأيضاً التفاهم هو أهم شروطي لاختيار الأصدقاء أما المستوى الاجتماعي والثقافي فليس مهماً، وإن كان المظهر مهماً أيضاً، لأن كلاّ منّا يُعد مرآة الآخر، والشيء الذي يهمني أيضاً هو أن يكون صديقي في مثل سني وأفضّل صداقة الدراسة لأنها تستمر أكثر من غيرها، وأن يكون صديقاً قوي الشخصية وصاحب رأي حتى أطمئن إلى نصائحه وآرائه.

أما أحمد عبد الرزاق 20 سنة فيقول: أعتز بصداقات الطفولة ولي صديقان استمرت علاقتي بهما قوية إلى الآن، وسبب استمرار هذه العلاقة هو وجود تفاهم وتوافق بيننا في كل شيء، وكذلك هناك العديد من الأحداث التي مرت بنا جعلتنا أكثر اقتراباً وأكثر تفهماً لاحتياجات الآخر ومعرفة ما يفرحه وما يحزنه، كما أننا كبرنا مع بعض وتخطينا مراحل كثيرة جعلتنا نتحقق من أننا جزء لا يتجزأ ولا يمكن أن ننفصل أبداً.

الصداقة لها دور مهم فيما يصيب الإنسان من حالات إحباط أو انطواء، فالفرد يحتاج إلى الحب والعاطفة وقوة الإيمان

وترى الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع، أن عقد صداقات قوية بين الشباب في المراحل المختلفة يصنع نوعاً من التكيُّف الاجتماعي، الذي يجعل الفرد يعقد صلات اجتماعية مع مَن يعاشرونه أو يتعاملون معه، وهي صلات لا يؤثر عليها الاحتكاك ولا تتسم بالشكوى أو الشعور بالاضطهاد أو الرغبة الملحة إلى الاستماع إلى إطراء الآخرين أو استدرار عطفهم أو طلب المعونة منهم.

وتضيف الدكتورة سامية: الشخص الذي يستطيع تكوين صداقات سليمة يكون أقدر على ضبط النفس في المواقف التي تثير الانفعال، فلا يثور لأتفه الأسباب ولا يُعبّر عن انفعالاته بصورة طفولية، هذا إلى جانب قدرته على معاملة الناس بصورة واقعية لا تتأثر بما تصوّره له أفكاره، لهذا فهناك مسؤولية تقع على هذا الشخص تجاه أصدقائه، وتقوم تلك المسؤولية في إنمائها وأيضاً تقديم الطرف الآخر، والاعتراف بمساهماته والاحترام المتبادل بين الأصدقاء، وفهم احتياجات كل طرف والعطاء دون انتظار مقابل ليكون هناك معنى للصداقة الحقيقية، وأخيراً يمكن القول أن أهم شيء يضمن للصداقة البقاء لمدة أطول هو التعامل مع الاختلاف، فصديقي ليس من الضروري أن يكون نسخة طبق الأصل مني، ولابد من التأكيد على حرية الآخرين، فلكل واحد منا احتياجاته وأفكاره المختلفة التي تشكّل مقومات حياته الخاصة به، فيجب أن نترك الحرية للآخرين في اختيار أسلوب حياتهم، حيث إن فرض الآراء يؤدي إلى نتائج عكسية ومنها الإصابة بالإحباط والعنف، أما ممارسة الديمقراطية فيؤدي إلى التعاون والاحترام المتبادل والسلام النفسي.

ويؤكد الدكتور إلهامي عبد العزيز أستاذ علم النفس، أن إقامة العلاقات الاجتماعية بوجه عام والصداقة بوجه خاص تحقق للإنسان نوعاً من الرضا والإشباع الوجداني، فالإنسان منذ ولادته يسعى ويكافح من أجل تحقيق السعادة، ويستثمر كل شيء من حوله للوفاء بهذا الغرض، مع أن السعادة في الأساس تنبُع من داخله، وحينئذ يستطيع الوصول إلى أقصى مستوى في تحقيق حياة هادئة، ومن هنا نرى أن الصداقة لها دور مهم فيما يصيب الإنسان من حالات إحباط أو انطواء، فالفرد منا يحتاج إلى الحب والعاطفة وقوة الإيمان، ويحتاج إلى الثقة بنفسه وتقدير ذاته، وكذلك إلى صديق يشعر معه بأنه قادر على تحقيق ذاته، وأن يجد مَن يشاركه مواقفه الحياتية، أما إذا شعر الإنسان بأنه غير قادر على تكوين صداقات فيحاول أن يقوم بعمل ما للآخرين، وسيرى أن الاهتمام بالآخرين سيفيده هو من خلال مشاركته معهم، وسوف يجد من خلال ذلك الصديق الحقيقي الذي يتوافق معه ليس كلياً وإنما في أساسيات التعامل، وأهم شيء يحافظ على الصداقة هو قبول الآخر.

21