الصداقة علاقة غير أبدية قد تنتهي بخطأ غير مقصود

قلّما يتقبل أحدنا أن يتعرض لانتقاد مباشر من قبل أصدقائه في الأماكن العامة وأمام أعين الغرباء، أما الأسباب والدوافع التي تضطر هذا “الصديق” لإحراجنا فهي محل دراسة وتحليل من قبل علماء اجتماع ونفس متخصصين في كشف ما هو مستور من مشاعر الآخرين تجاهنا، وهم يتحملون المسؤولية الكاملة في التحقق من مدى مصداقيتها وجديتها.
الأربعاء 2015/10/28
الصراحة ليست بالأمر الهين خاصة مع الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقة صداقة

هناك قواعد غير معلنة في الصداقة، وهي تعزز من قيم احترام الآخر وخصوصياته وعدم تجاوز الخطوط الحمراء حتى بين أقرب المقربين، وقد نصادف بعض المواقف المشابهة في الأماكن العامة حيث توبخ بعض الأمهات أطفالهن وتذكرهن بضرورة الالتزام بقواعد الآداب العامة، وربما تنتقد إحدى الزوجات شريك حياتها في بعض تصرفاته أمام جمع من الأصدقاء، حتى أن أغلب الفتيات المراهقات يتعمدن إحراج أمهاتهن وتحديهن في القيام بما هو مخالف للأعراف، ويحدث كل هذا على مرأى ومسمع من الآخرين.

وعلى الرغم من ذلك، يستطيع بعض الناس استخدام أسلوب المناورة للالتفاف على ملاحظات وتصرفات أقاربهم في الأماكن العامة، لكن في علاقات الصداقة فإن الأمر مختلف؛ فإذا تجرأ أحد الأصدقاء انتقادلك أمام الغرباء فيتوجب عليك أن تجيب على بعض الأسئلة التي ستراودك كلما تسنى لهذا الصديق تكرار فعلته، والإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستقرر جدوى الاستمرار في مثل هذه العلاقة الشائكة أو إلغائها ببساطة.

تؤكد الدكتورة سوزان ديجيز وايت؛ أستاذة علم النفس ورئيسة قسم الإرشاد النفسي في جامعة إلينوي الشمالية الأميركية، على أن بعض ظنوننا ليست في محلها دائماً فقد يكون الغرض من الانتقاد نبيلا ولا يكون بالضرورة مصدرا لنيّة مبيّتة، كما أن بعض تصرفات الأصدقاء ترتبط بطبيعة شخصياتهم وطريقتهم في الكلام أكثر من نواياهم، فهم لا يدركون حقا وقع كلماتهم ومستوى حدتها وعدم تناغمها مع المكان والزمان إلا إذا تم تنبيههم إلى ذلك وبعد فوات الأوان. فإذا رغب أحد الأصدقاء بتقديم النصح كمحاولة لمساعدة صديق، فإن التوقيت والمكان يلعبان دوراً مهماً في تقدير هذه المساعدة وفهم نوايا الصديق.

إذا رغب أحد الأصدقاء في تقديم النصح لمساعدة صديق، فإن التوقيت والمكان يلعبان دورا مهما في تقدير هذه المساعدة

ولجهل بعض الناس بخفايا التواصل الاجتماعي وجمالياته، فإنهم ببساطة قد يقترفون مثل هذه الأفعال بصورة غير مدروسة وبتلقائية في مكانها وزمانها غير المناسبين، وسبب ذلك كما يعتقد متخصصون في علم نفس الاجتماع يعود إلى عوامل بيئية أو وراثية أو كليهما؛ فغياب القدوة الصحيحة في الطفولة قد يكون عاملا مهما في تنشئة شخصية بهذه المواصفات تفتقد إلى أسس التواصل الصحيح مع الآخرين، في حين تلعب بعض العوامل الفيسيولوجية والعصبية دورا آخر في هذا الخلل الوظيفي في التواصل.

وترى وايت أن هذا الصديق أو الصديقة لا يمكنهم بالتأكيد التراجع عن تصرفهم وربما يراودهم تكراره بين الحين والآخر، بسبب الدوافع البيئية والوراثية التي تتحكم في سلوكهم، لذلك، يتعين على الشخص الذي يمتلك حساسية واضحة من الانتقادات أن يتبنى أحد الخيارين؛ يتمثل الأول في ضرورة تنبيه هذا الصديق من وقت لآخر بضرورة الحذر من اقتراف أي أفعال أو كلمات قد تتسبب في إحراجه أو مضايقته أمام الغرباء، وإلا فإن الخيار الأكثر ملاءمة في مثل هذه الظروف هو الابتعاد عن مثل هذه العلاقات الشائكة في أقرب فرصة ممكنة، خاصة إذا كان السلوك يتصف بنمط عدواني ذي هدف واضح ومقصود الأمر الذي يتسبب في تعكير حياتك وتشويه صورتك أمام الآخرين.

غياب القدوة الصحيحة في الطفولة عامل مهم في تنشئة شخصية تفتقد إلى أسس التواصل الصحيح مع الآخرين

وترى الدكتورة إيرين .أس. ليفين؛ باحثة نفسية وكاتبة في العلاقات الأسرية، أن الصراحة في بعض الأحيان ليست بالأمر الهين خاصة مع الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقة صداقة طويلة، لكنها في حالات معينة ضرورية إذ أن بعض الناس قد يكونون غافلين تماما عن مقدار الألم والإزعاج الذي يتسببون فيه لأقرب المقربين منهم، بسبب أقوالهم أو أفعالهم.

وتنصح ليفين بضرورة الإسراع في وضع حدود منذ البداية في حال حدوث أي خطأ سواء أكان مقصوداً أم غير مقصود، فهذا أفضل بكثير من ترك الأشياء على حالها حتى تتراكم الأحقاد والضغائن فتصل إلى طريق مسدود يصعب معه أي محاولة جادة للإصلاح.

في علاقات الصداقة، شأنها شأن أي علاقة أخرى، لا يمكننا بطبيعة الحال أن نعرف بالتحديد ما يدور في خلد الشخص المقابل وما قد يحمله نحونا من مشاعر، فإذا كنا على استعداد لإنهاء الصداقة فيتوجب أن يكون ذلك بصورة مباشرة وصريحة من دون الحاجة إلى استخدام تعبيرات جارحة تترك ذكرى غير طيبة في نفوس الآخرين، مع محاولة تبيان أهمية هذه الصداقة في حياتنا مع استحالة استمرارها في الوقت الحاضر، وهذه محاولة لمد خطوط التواصل مستقبلاً إذا سنحت الفرصة.
وتعتقد وايت أن الصداقات علاقات غير أبدية، فليس من المؤمل أن تستمر بعض الصداقات زمنا طويلا شأنها شأن الأشياء الجميلة في حياتنا، فمصير كل شيء إلى زوال.
21