الصداقة والمصارحة وجهان لعملة واحدة

الجمعة 2014/02/07
الصراحة التي تزيد عن الحد يمكنها في بعض اللحظات هدم سنوات من الألفة

الفحص الدقيق للشخص والاختبار لفكره ومنهجه وسلوكه يحددان طبيعة ونوع وأخلاقيات الفرد الذي تود أن تجعله صديقك، فالصديق أصبح عملة نادرة في ظل انعدام الثقة والمحافظة عليه شيء صعب، وما يقدمه الصديق من نصح وإرشاد يزيد المحبة والعلاقة بين الطرفين، ولا توجد علاقات صافية دون توترات ولا توجد علاقات متوترة مستمرة.

إذا كانت الصداقة متينة لا تتأثر بعوامل التغيير مهما تعرضت لها ومهما تفرق الصديقان بعوامل الزمان والمكان.

أجرينا استطلاعاً مع عدد من الأشخاص وتقييمهم لفكرة الصداقة فكانت آراؤهم متباينة إضافة إلى رأي خبيرة في علم الاجتماع وفي هذا السياق تقول “نسرين حسن” (22 عاماً): “لا وجود للصداقة في أيامنا، لأن الصداقة تعني الأمان والصراحة ونحن في زمن المشاعر المصطنعة حيث لا تبادل للحقائق ولا شعور بالثقة بأحد، وتخشى أن تفهم بطريقة خاطئة إذا أبدت رأيها، وتعتقد أنها خير صديقة لنفسها، وخير رقيب على ذاتها”.

وتضيف: “إن الإكثار من النصائح قد يعد في بعض الأحيان نوعاً من الهيمنة، فالصداقة الحقيقية هي في الأساس تقبل الآخرين وطريقة تفكيرهم إذا كان هدفهم الإصلاح لا الحسد”.

وترى “آمال عزام” (42 عاماً) أن الصراحة عنصر أساسي في الصداقة، لذلك لا يمكنها أن تصادق بسهولة، واختيارها للأصدقاء يأتي بعد ثقة ومعرفة طويلة، فهي لا تسمح بأن تتفاجأ بعلاقة تندم عليها، كما لا تحب التحدث في الخصوصيات مع الأصدقاء لأنها ليست مضطرة للدخول في المتاعب والمتاهات، وفي النهاية فإن كل إنسان يدرك تصرفاته وأفعاله أكثر من غيره.

وتقول “جهاد الشيخ” (37 عاماً)، إنها لا تؤمن بشيء اسمه صداقة مع الناس، فصديقتها الوحيدة هي أمها وصديقها الأمثل هو زوجها، فالعلاقات مع النساء دائماً تسودها الغيرة، وهن يعتمدن دائماً على المجاملات، ما يشعرها بانعدام الصراحة وبالتالي الاستغناء عن الصداقة، وعن نفسها فهي مقتنعة بأنها لن تستطيع أن تكون رقيبا على تصرفات أحد كي تبدي رأيها وتقدم النصح له، لذلك تفضل ألا يكون لها أصدقاء.

سكوتك عن إبداء رأيك في قضايا قد تدخل صديقتك في متاهات كبيرة يعد خيانة للصداقة التي تربطكما

أما “هالة صالح”، فإنها تعتبر الصداقة جزءا من التكوين الاجتماعي للإنسان والأهم من ذلك نوعية الأصدقاء لا عددهم، وحسب رأيها فإن الصداقة تنبني على الصراحة وتبادل الآراء، فالأمان الذي تفرضه العلاقات الصادقة يشعرها وكأنها تتعامل مع نفسها لا مع شخص آخر، وتجد نفسها ملزمة لإبداء رأيها الصريح بما فيه مصلحة الصديق، احتراماً لعلاقتهما، لكنها ترى الصداقة مع الشباب أفضل وأكثر نجاحا منها مع الصبايا، لأن الجنس اللطيف دائماً تدفعه الغيرة لإبداء الرأي وليس العقل أو المنطق.

وتضيف “سلوى حيدر”: “إن كل إنسان معرض للخطأ، فإذا شعرت بضرورة تقديم نصيحة لصديقة، أفعل ذلك بأسلوب لائق، وفي الوقت المناسب، وفي حال عدم تقبل صديقتها للموضوع، فلا ضرر، إنها مشكلتها ولاحقاً ستدرك الصواب.

وتؤكد “سحر سمير” (40 عاماً) أن الحياة دون صداقات لا معنى لها، والصراحة في العلاقة بين الأصدقاء هي الممول الذي يضمن استمراريتها، فبالإخلاص المتبادل يمكن للصديق أن يحمل همومك ويسمع مشكلاتك، ومن جهتها هي مستعدة لتقبل نصائح وآراء الأصدقاء حتى لو كان في ذلك ما يسبب لها إزعاجاً، فالأهم من ذلك هو الحرص والخوف اللذان يدفعان لإبداء الرأي، هذا ما حصل معها حين حذرتها صديقتها من شخص معين وأدركت لاحقاً صواب ذلك، وتقدم السيدة سحر وجهة نظرها للأصدقاء، حين يتوجب عليها بأسلوب لطيف وهي مقتنعة بأنهم سيتقبلونها لأن هدفها الأول مصلحتهم.

أما الصديقتان “أحلام علي” و”منى عمر”، فترويان بكلمات قليلة قصة صداقتهما التي بدأت منذ أيام الدراسة واستمرت بسفرهما من بلدهما والعمل بنفس المكان، فهما تخبران بعضهما ما قد لا تستطيعان أن تخبراه لأختيهما، فالأخت دائماً تلعب دور الحاكم، أما الصديقة فقد تتفهم وتقدم رأيها بطريقة موضوعية أكثر، لذلك فإن الصراحة فيها فائدة للطرفين.

وتقول الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع، إن الصراحة والصداقة توأمان، إلا أن الصراحة التي تزيد عن الحد يمكنها في بعض اللحظات هدم سنوات من الألفة، لذلك يجمع علماء الاجتماع أنه قبل طرح أيه ملاحظة، من الضروري سؤال الصديقة إذا كان الكلام وإبداء الرأي مفيدين لها؟

طريقة إبداء الرأي تلعب دورا كبيرا في قبول النصيحة فكم من حقيقة يتم قبولها لأن قائلها يريد الخير وكم من رأي بسيط يكون مزعجا

وتضيف: “إن لكلّ رأيه، ما يمكن أن تغيّره وما لا يمكن تغيّره”، وتقول الدكتورة عزة كريم الخبيرة بالمركز القومي للبحوث أن السكوت عن إبداء الرأي في قضايا قد تدخل الصديق في متاهات كبيرة يعد خيانة للصداقة التي تربطكما، ومن غير المجدي أن تقدمي لصديقتك مثلا ملاحظات حول جمالها الذي تعرفين أنه لا يمكن إصلاحه.

وتعتقد الدكتورة أن متانة الصداقة، وطريقة إبداء الرأي تلعبان دوراً كبيراً في قبول النصيحة، فكم من حقيقة يتم قبولها لأن قائلها يريد الخير، وكم من رأي بسيط يكون مزعجاً لأن قائله يريد الإساءة. وتضيف أن الصداقة الحقيقية وليدة الصراحة والتفاهم بين الصديقين، لكن من الأشياء التي يجب اجتنابها، الإكثار من الآراء والنصائح التي تشعر صديقتك بأنك تراقبينها وتتحكمين في آرائها، وهذا الشيء الممل قد يدفع بها إلى قطع العلاقة بينكما.

21