الصدر قائدا لعملية إنقاذ النظام العراقي بموجب اتفاق أبرم في قم

الاتفاق الذي رعته إيران وحزب الله اللبناني يمنح الصدر القيادة الروحية للفصائل والتحكم بتشكيل حكومة علاوي.
الأربعاء 2020/02/26
فرصة العمر

بغداد - لم يكن انقلاب رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر على الانتفاضة العراقية، وتحويل أنصاره من قوّة لإذكائها وحماية المشاركين فيها، إلى أداة لقمعها، مجرّد مناورة تكتيكية ضمن صراعه على الزعامة الذي لم ينقطع عن خوضه ضدّ أركان العائلة السياسية الشيعية التي ينتمي إليها، بل كان عملا مخطّطا له ومؤطّرا باتفاق رعته إيران، ويقضي بتنازل كبار قادة الفصائل الشيعية عن الزعامة للصدر ومنحه صلاحيات كبيرة تخوّل له قيادة عملية ضرب الانتفاضة وإعادة تماسك النظام وتزعّم معسكر مناهضة الوجود العسكري الأميركي في العراق.

وكان تقرير سابق لصحيفة "العرب" قد كشف أن "إيران ترتّب لمصالحة الصدر والمالكي لتقوية حلفائها في وجه انتفاضة العراق".

وورد في التقرير المنشور في الثالث عشر من الشهر الجاري نقلا عن مصادر مطّلعة "أن وسطاء إيرانيين استغلوا وجود مقتدى الصدر في بلادهم منذ شهور بحجة الدراسة لفتح ملف العلاقة مع المالكي الذي يشكل منذ أعوام علامة فارقة على عمق التصدعات السياسية داخل الوسط الشيعي المحافظ".

وتحدثت المصادر عن لقاءات رفيعة بين ممثلين عن الصدر والمالكي عقدت في مدينة قم الإيرانية، بهدف إنجاز التسوية بين الطرفين.

وورد في تقرير لوكالة رويترز بإمضاء جون ديفيدسون، أنّ اللّجوء إلى الصدر بما يمتلكه من قدر من الشعبية داخل الأوساط الشيعية، جاء عندما لاح في الأفق احتمال تراخي قبضة الأحزاب والفصائل الشيعية المدعومة من إيران على السلطة في العراق في أعقاب مقتل القائد الإيراني قاسم سليماني.

وفي اجتماعات بمدينة قم الإيرانية المقدسة لدى الشيعة أبرمت هذه التكتلات اتفاقا مع رجل الدين الشعبوي الذي يأتمر بأمره الملايين من العراقيين.

ويقول مسؤولون عراقيون كبار وبعض المطلّعين على الشؤون الداخلية للفصائل إن هذه الجماعات وعدت الصدر بصلاحيات أكبر في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وبدور موسع في القيادة الروحية للفصائل الشيعية المسلحة.

وفي المقابل قالت المصادر إنّ الصدر سيستعين بأتباعه في إضعاف المعارضة المناوئة للحكومة ولإيران والتي تفجرت في الشوارع العراقية، ويعيد توجيه الاحتجاجات للتركيز على المطالبة بانسحاب القوات الأميركية من العراق.

والهدف من هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية إيران وحزب الله اللبناني هو صيانة النفوذ الشيعي في العراق بالتوفيق بين الفصائل والجماعات المدعومة من إيران والتيار الصدري المنافس لها. وكانت الغارة الجوية الأميركية التي قتل فيها سليماني والقيادي الكبير في الحشد الشعبي أبومهدي المهندس في الثالث من يناير الماضي قد أوقعت الفصائل في حالة من البلبلة. كما كان الصدر، نفسه، قد فقد أيضا بعضا من توازنه.

فقد قاد احتجاجات مناوئة للحكومة في السنوات السابقة لكنه لم يسيطر على الجولة الأخيرة من الغضب الذي تفجر في مظاهرات تلقائية بلا قيادة في أكتوبر الماضي وكان موجها ضدّ النخبة السياسية.

ويقول مسؤولون ونواب إن الصدر، المعروف باقتناص الفرص والذي سبق أن حارب الولايات المتحدة وندد بالتدخل الإيراني وأيد احتجاجات ثم تخلى عنها، أصبح بهذه الصفقة في وضع يهيئ له نفوذا كبيرا في الحكومة الجديدة التي أوكل تشكيلها لمحمد توفيق علاوي، بعد استقالة حكومة عادل عبدالمهدي تحت ضغط الاحتجاجات.

وبعد مقتل سليماني أصدر مسؤولون من إيران وحزب الله تعليمات لقادة الفصائل الموالية لإيران لصرف النظر عن خلافاتها مع الصدر.

وكان الجانبان قد اشتبكا في البرلمان واختلفا على مناصب حكومية العام الماضي في إطار الصراع على السلطة، لكن الطرفين التقيا في قم مقر الصدر حيث يواصل دراساته الدينية.

وقال أحد مساعدي الصدر ممن سافروا إلى قم طالبا إخفاء هويته “إيران رأت في الصدر الحل الوحيد لمنع انهيار النفوذ الشيعي تحت وطأة الاحتجاجات وإضعاف الفصائل التي تدعمها”. وأضاف “الصدر يملك القاعدة الشعبية التي يمكن له من خلالها أن يسيطر على الشارع. وأرادوا استغلال ذلك”.

وأكدت عدة مصادر شبه عسكرية مطلعه على ما دار في الاجتماعات أنّ الجانب الإيراني طلب من الصدر الذي ينتمي لعائلة صاحبة نفوذ من رجال الدين الشيعة لها تاريخ في قيادة التمرد على الحكومة في عهد صدام حسين، استخدام أتباعه في السيطرة على المظاهرات.

وفي المقابل طالب الصدر بحرية اختيار الحكومة المقبلة والقدرة على الاعتراض على مرشحي الأطراف المدعومة من إيران. وقال معاون الصدر “إيران لم تعارض ذلك”.

وقال مصدران بالفصائل الشيعية المسلّحة إنّ الصدر طالب بأن تكون له سيطرة على وزارتين في حكومة رئيس الوزراء المكلف محمد علاوي. وأضافا أن الفصائل المسلحة وافقت على إمكانية أن يكون للصدر دور رمزي موسّع في قيادة المعسكر المناهض للولايات المتحدة.

الثورة مستمرة
بعد اجتماع قم.. مقتدى الصدر حامي النفوذ الإيراني في العراق

وقال نصر الشمري المتحدث باسم حركة النجباء المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي والخاضعة لعقوبات أميركية “فصائل المقاومة وافقت على أن يكون الصدر الصوت الرئيسي فيها. وستؤيد ما يتخذه من قرارات”.

وقال مصدران آخران بالفصائل إنّ الأخيرة ستدرس منح دور أكبر لأبودعاء العيساوي قائد سرايا السلام التابعة للصدر في تنسيق استراتيجيتها العسكرية.

وتسعى تلك الفصائل المعروفة بولائها الشديد لإيران لإيجاد من يحل محل المهندس، ومن المتوقع أن يكون من قادة كتائب حزب الله الفصيل الذي كان المهندس يقوده.

ويقول مسؤولون حكوميون ونواب إنّ للصدر نفوذا كبيرا في تشكيل حكومة علاوي الذي يقول إنّ مستقلين سيتولون الوزارات.

وقال مسؤول حكومي “إذا تمت الموافقة على هذه الحكومة فسيكون ذلك في صالح الصدر. فهو يفضل المستقلين لأنهم ضعاف وبإمكانه استغلالهم لمصلحته. فلديه فصيل مسلح ويملك القدرة على ترهيب الناس”. ويعارض ساسة من الأكراد والسنة التشكيل الذي يدفع به الصدر خشية فقدان السيطرة على بعض الحقائب الوزارية.

ولن تخلو المكاسب السياسية التي يبدو الصدر بصدد تحقيقها، من منغصات، إذ أنّ الاتفاق مع الفصائل المدعومة من إيران يثير استياء الكثيرين من أنصاره.

وقال أحد المحتجين ويدعى مهدي عبدالزهرة وهو يراقب رجال الشرطة يطلقون النار على أصدقائه في بغداد “الفصائل وسرايا السلام سرقت ثورتنا”.

وانصرف أنصار الصدر الذين سبق أن شاركوا في الاحتجاجات وقاموا في بعض الأحيان بحماية المتظاهرين من عنف قوات الأمن والفصائل، عن خيام الاعتصام بناء على تعليمات من الصدر ذاته، بل إنّهم اعتدوا لاحقا على المتظاهرين والمعتصمين.

وكان الصدر قد هدد بالدعوة إلى مليونية جديدة للضغط على البرلمان للموافقة على الحكومة الجديدة في خطوة أخرى قد تغطي على المظاهرات الأصلية التي طالبت بسقوط النخبة الحاكمة في العراق بأسرها.

اقرأ أيضاً: مواقع التواصل الاجتماعي تعري مقتدى "أبو الثوار"

3