الصدر يستبق محاسبة جناحه العسكري بإعلان تجميد نشاطه

الأربعاء 2015/02/18
قرارات الصدر التي لا تنفذ تجلب له بعض الأضواء لكنها تخصم من رصيد مصداقيته

بغداد - احتدام الجدل في العراق حول جريمة اغتيال شيخ عشائري واختطاف نائب بالبرلمان، فرصة مواتية لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لإعلان قراراته «الغرائبية» سعيا لجلب الأضواء نحو شخصه في إطار صراعاته على الدور والمكانة داخل عائلته السياسية.

أعلن مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري في العراق تجميد نشاط ميليشيات تابعة له، في قرار مرتبط بتداعيات جريمة اغتيال زعيم عشائري سني وأفراد حمايته واختطاف ابن أخيه النائب بالبرلمان.

ورغم أنّ أصابع الاتهام توجّهت للميليشيات الشيعية التي يعتبر الصدر أحد أبرز قادتها، إلاّ أن قرار الأخير لم يفاجئ الرأي العام العراقي الذي اعتاد على صدور مثل هذه القرارات التي توصف بـ “الغرائبية” عن مقتدى الصدر مع كل حدث هام ومثير للانتباه في البلاد.

كما اعتاد العراقيون على عدم تنفيذه تلك القرارات، وهو ما يتوقع بشأن القرار الجديد على اعتبار الميليشيا سبب وجود الصدر وبقائه على الساحة العراقية، خصوصا وأن الرجل كثير الصراعات ضدّ خصومه داخل العائلة الموسّعة للأحزاب الدينية العراقية.

ومعروف عن مقتدى الصدر محاولاته المتكرّرة لجلب الأضواء المسلّطة على الأحداث نحو شخصه، ويتبع في ذلك أسلوبا معهودا يتمثل في الإدلاء بتصريحات صادمة وإعلان قرارات “خطيرة” في غمرة احتدام الجدل حول الأحداث المهمة وإن كانت عالمية.

ومؤخرا عرض الصدر مناظرة الصحف والشخصيات الدينية التي أساءت للرسول ومناقشتها، وذلك في ذروة الضجة التي أحدثها الهجوم في باريس على مقر مجلة شارلي إيبدو الفرنسية. ولم يُعلم إلى حدّ الآن أن الرجل تابع عرضه أو أنّ أحدا استجاب له وحمله على محمل الجدّ.

كما سبق للصدر أن أعلن في ذروة الصراع الانتخابي عن اعتزاله السياسة دون أن ينفذ قراره بالفعل.

وبشأن حلّ الميليشيات التي هو أحد قادتها، فقد سبق للصدر أن أعلن في وقت سابق استعداده للعمل إلى جانب وزارة الدفاع على احتواء الميليشيات في البلاد لصالح بناء مؤسسة عسكرية بعيدة عن الطائفية، مؤكدا تأييده لحلّ تلك الميليشيات.

ويعتبر التخلّص من الميليشيات حلم طيف واسع من العراقيين، نظرا إلى الدور السلبي لتلك التشكيلات في إفساد الحياة السياسية، وتهديد أمن المواطنين. ويتهم ساسة عراقيون الصدر بالمتاجرة بتلك القضية ومحاولة دغدغة مشاعر الناس من خلالها.

ويسود الشارع العراقي هذه الأيام مزاج معاد أكثر من أي وقت مضى للميليشيات خصوصا بعد حادثة اغتيال الشيخ العشائري واختطاف النائب بالبرلمان، إضافة إلى سلسلة جرائم أطول تتهم فيها تلك التشكيلات شبه العسكرية.

وأعلن مقتدى الصدر أمس عن تجميد لواء “اليوم الموعود” وسرايا “السلام”، التشكيلين اللذين يمثلان الجناح العسكري لتياره إلى أجل غير مسمى. وفي بيان أصدره أمس، قال الصدر “أعلن تجميد لواء اليوم الموعود وسرايا السلام وأنا على استعداد للتعاون مع الجهات المختصة للكشف عن المجرمين الذين قاموا بحادثة مقتل الشيخ قاسم الجنابي”.

وبدا القرار أشبه بمحاولة استباق لأي إمكانية لمحاسبة الميليشيا الصدرية باعتبارها تتحمل جزءا من المسؤولية عن جرائم الميليشيات التي تعددت في العراق، خصوصا مع انخراط تلك التشكيلات الطائفية في الحرب على تنظيم داعش ضمن ما يعرف بالحشد الشعبي.

العراق حسب زعيم التيار الصدري لا يعاني من شذاذ الآفاق فحسب بل يعاني من الميليشيات الوقحة أيضا

وجاء قرار الصدر تجميد لواء اليوم الموعود وسرايا السلام قبل ساعات من انعقاد اجتماع للرئاسات الثلاث؛ الجمهورية والحكومة والبرلمان، لبحث تداعيات حادثة اختطاف زيد الجنابي النائب عن كتلة اتحاد القوى ومقتل عمه الشيخ قاسم الجنابي وعناصر من حمايته، الجمعة الماضية، في هجوم مسلح شمالي بغداد، ومطالبات القادة السنّة بوضع حد للميليشيات المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة.

وكان الصدر جمد “جيش المهدي” التابع له نهائيا عام 2011، وقرر حصر العمل العسكري في “لواء اليوم الموعود” الذي كان تابعا لذلك الجيش، وفي العام الماضي قرر تشكيل سرايا “السلام” بذريعة الدفاع عن الأماكن المقدسة في العراق من هجمات تنظيم داعش قبل أن يجمد التشكيلين أمس. ورأى الزعيم الشيعي أن العراق “لا يعاني من شذاذ الآفاق فحسب بل يعاني من الميليشيات الوقحة أيضا”، دون أن يسمّي أيا منها.

واستأنفت الميليشيات الشيعية نشاطاتها العلنية في العراق منذ صيف العام الماضي في أعقاب سيطرة تنظيم داعش على مناطق في شمال البلاد وغربها وإصدار المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني فتوى لمقاتلة المتشددين.

وتقاتل تلك الميليشيات وعلى رأسها الحشد الشعبي، إلى جانب القوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية ومقاتلين عشائريين موالين للحكومة، تنظيم داعش في محاولة لاستعادة المناطق التي يسيطر عليها، إلاّ أنّها تستغل وضعها القوي وتمتع قادتها بسلطات تتجاوز سلطات الحكومة ذاتها لتصفية حسابات طائفية وممارسة انتهاكات بحق المدنيين وخاصة من المكون السني.

3