الصدر يطلق آخر الرصاصات على حكومة عادل عبدالمهدي الموشكة على الانهيار

محتجون عراقيون يتهمون الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بركوب موجة التظاهرات الشعبية.
الأحد 2019/10/20
محاولة مكشوفة لركوب الموجة

بغداد – أطلق الزعيم الشيعي العراقي واسع التأثير، مقتدى الصدر، ما وصفت بأنها إحدى آخر الرصاصات على جسد حكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، الذي يحمله مراقبون نصف أوزار تشكيلها، عندما قال إنها “عاجزة تماما عن إصلاح ما فسد”، داعيا المحتجين الذين يخططون إلى الخروج في تظاهرات حاشدة يوم الخامس والعشرين من الشهر الجاري، إلى محاسبة الفاسدين بأنفسهم.

ومنذ انطلقت حركة الاحتجاج في العراق، مطلع أكتوبر الجاري، تطورت مواقف الصدر من المطالبة بحماية المتظاهرين إلى التشديد على ضمان حرية التعبير بعدما قمعت الحكومة الصحافيين وهاجمت ميليشيات مسلحة مقرات القنوات الفضائية، متسببة في هلع كبير، ما دفع الكثير من الإعلاميين إلى مغادرة بغداد ومدن الجنوب إلى إقليم كردستان واسطنبول وعمّان وبيروت.

فاروق يوسف: الصدر لن ينجو من مركب السياسة الغارق في العراق
فاروق يوسف: الصدر لن ينجو من مركب السياسة الغارق في العراق

ولا يعول المراقبون على نتائج لجنة التحقيق التي شكلها عبدالمهدي لكشف ملابسات مقتل وجرح واعتقال آلاف المحتجين، خلال التظاهرات التي انطلقت مطلع أكتوبر، وسط شعور عام بأن هذا النوع من الإجراءات معد للاستهلاك الإعلامي، إذ لا يتوقع أن توجه لجنة حكومية اتهامات إلى رؤوس كبيرة أو لشخصيات على صلة بإيران.

لكن مقربين من رئيس الوزراء العراقي أبلغوا “العرب”، بأن “عبدالمهدي جاد في الكشف عن أسماء المتورطين في قمع الاحتجاجات، بغض النظر عن مراكزهم السياسية أو التنفيذية”، وسط توقعات بأن تكون نتائج تحقيقات هذه اللجنة فرصة أخيرة أمام رئيس الحكومة لإنقاذ رأسه الذي يطالب به المحتجون.

وجاء التحول الأهم في مسار تعاطي الصدر من الحراك الشعبي، مساء السبت، عندما وجه خطابا صريحا للمتظاهرين، وصفهم خلاله بالثائرين، اعتبره البعض شحنة مضافة للتظاهر وسط تشكيك نسبة كبيرة من العراقيين بأنها محاولة مكشوفة لركوب الموجة، خصوصا وأنه قد عاد مؤخرا من إيران.

وأعتبر الكاتب السياسي العراقي فاروق يوسف الصدر خارج حلبة التظاهر اليوم. وتابع يوسف في تصريح لـ”العرب” قائلا “إذا ما كان الصدر يحاول الآن استدراك ما فاته فإنه لن يتمكن من النجاة بنفسه من مركب العملية السياسية الغارق. ذلك لأنه كان واحدا من صناع ذلك المركب وكان واحدا من أكبر المستفيدين منه”.

وقال الصدر، مخاطبا المتظاهرين، “أيها الثائرون (…) لعلكم عزمتم أمركم على أن تتظاهروا في الخامس والعشرين من الشهر الميلادي وهذا حق من حقوقكم.. لكني أريد أن أطلعكم على ما يجري خلف الستار”. وأضاف أن “كل السياسيين والحكوميين يعيشون في حال رعب وهستيريا من المد الشعبي.. كلهم يحاولون تدارك أمرهم.. لكن لم ولن يستطيعوا، فقد فات الأوان”.

وزاد الصدر بقوله، “كلهم يريدون أن يقوموا ببعض المغريات لإسكاتكم.. كالتعيينات والرواتب وما شاكل ذلك.. كلهم قد جهزوا أنفسهم لأسوأ السيناريوهات”، مشيرا إلى أن جميع الساسة والمسؤولين العراقيين، “اجتمعوا على إيجاد حلول.. لكن لن يكون هناك حل، فالحكومة عاجزة تماماً عن إصلاح ما فسد، فما بُني على الخطأ يتهاوى”.

وذكر الصدر أن جميع الساسة والمسؤولين العراقيين، “علموا أنهم سلموا أنفسهم لمن هم خارج الحدود وأنهم سوف لن يستطيعوا إصدار أي قرار من دون موافقتهم.. كل حسب توجهاته”. وتابع، “كلهم أيقنوا أن العراق صار ساحة لتصفية الحسابات الداخلية والخارجية.. كلهم أذعنوا أن أغلبية الشعب لا تريدهم خصوصاً بعد أن أضافت ثورة الأكفان رونقا جديدا”، في إشارة إلى أنصاره الذين ارتدوا ملابس بيضاء خلال مراسم زيارة أربعينية الإمام الحسين بن علي في كربلاء، مساء الجمعة.

Thumbnail

ولفت الصدر، إلى تطور جوهري، في مسار القمع الحكومي لحركة الاحتجاج، عندما حذر صراحة من أن أطرافا حكومية وسياسية تشيع أن متظاهري الخامس والعشرين من الشهر الجاري، يخططون لحمل السلاح ضد السلطات، وذلك تمهيدا لاستخدام العنف المفرط ضدهم، كما حدث خلال احتجاجات مطلع أكتوبر، وتسبب في مجزرة.

وفي تعبير صريح عن يأسه من إمكانية أن يصلح النظام السياسي القائم حاليا نفسه بنفسه، قال الصدر، “لا يُصلح العراق من حيث يَفْسُد”، مطالبا العراقيين بأن يتّحدوا “كشعب واحد ولمطلب واحد ولهدف واحد وبشعار واحد.. وإياكم أن تتفرقوا.. فقوتكم بوحدتكم”. مضيفا “إن أردتم أن تكونوا أحرارا في وطنكم فعليكم التخلص من الفساد والمفسدين، ولا تأملوا من حكومتكم أن تحاكمهم فحاكموهم ليشهد التاريخ لكم بأنكم أُباة الفساد”.

لكن الصدر حذر من أن العراق “أمانة” في أعناق المحتجين، في إشارة إلى مخاوفه من أن تتخلل الاحتجاجات المرتقبة أعمال عنف أو تخريب. وخاطب المحتجين، “إن شئتم الإحجام عن الثورة.. فلكم ثورة أخرى عبر صناديق اقتراع بيد دولية أمينة، ومن دون اشتراك من تشاؤون من الساسة الحاليين فامنعوهم حتى لا يعودوا عليكم بالفساد والخسران”.

سرمد الطائي: موقف الصدر يعني أن صفحة حكومة عبدالمهدي طويت
سرمد الطائي: موقف الصدر يعني أن صفحة حكومة عبدالمهدي طويت

وفي تفنيد علني، للاتهامات التي ساقتها حكومة عبدالمهدي، والقوى السياسية العراقية القريبة من إيران، ضد التظاهرات، من أن محركاتها خارجية وأنها تنطلق من مؤامرة داخلية، لتبرير قمعها الدموي، قال الصدر للمتظاهرين، “إياكم وتصديق إشاعاتهم، فداعش لولا فسادهم لما كانت ولن تعود، والبعث صار في مزبلة التاريخ، والمحتل لن يتجرأ بعد أن رأى مقاومة شجاعة وشريفة، والطائفيون لن يستطيعوا مضيا إن لم يلقوا آذاناً صاغية”.

كما رد الصدر على أطراف سياسية موالية لإيران سعت إلى إشاعة أن التظاهرات تستهدف التشيّع العراقي، مؤكدا أن “المذهب لن يحتاج إلى ثلة فاسدة، والدين لا يُقام إلا بالعدل وإنصاف الرعية، والعلمانية لن تقوم لها قائمة إلا بالسلام”.

وتحدث الصدر عن دور المؤسسة العسكرية العراقية في حماية المحتجين “دون مليشيات”، مخاطبا الجيش بالقول، “يا جيش العراق، هذا شعبكم، فما هم بدواعش ولا احتلال، فإياكم أن توجهوا سلاحكم ضد أبنائكم وإخوتكم وإياكم أن تملأوا السجون بهم بل السجون للفاسد والإرهاب”.

كما دعا الصدر دول الجوار إلى ترك “الشعب يقرر مصيره.. فإذا قرر الشعب فعلى الجميع الإصغاء للصوت الهادر، وإن سكت الشعب فعليكم السكوت”، في إشارة قال عنها مراقبون إنها موجهة إلى طهران، التي يعتقد على نطاق واسع أنها شجعت الحكومة العراقية على قمع الاحتجاجات.

وبرغم أن الصدر أسهم في تشكيل حكومة عبدالمهدي، متحمّلا نحو 50 بالمئة من غطائها النيابي، إلا أن استدارته الحالية، لقيت استجابة واسعة في صفوف النشطاء، الذين لم يفتهم تحذير الزعيم الشيعي من محاولة “ركوب موجة الاحتجاجات”، أو على الأقل “تجنب التعرض لأضرارها”.

وقالت اللجنة العليا لتنسيقية تظاهرات ثوار العراق، وهي الجهة الوحيدة التي تتحدث باسم التظاهرات حتى الآن، إنها اطلعت على موقف الصدر، مشيرة إلى أنها “تقدر” دوره في دعم المتظاهرين والوقوف معهم في مطالبهم المحقة، “لكنها أيضا تحمله الجزء الأكبر من إخفاق هذه الحكومة، كونه اللاعب الأقوى بين القوى السياسية” التي شكلتها. وطالبت اللجنة “جميع الأحزاب والتيارات السياسية بدعم مطالب الثوار وتبنيها تحت قبة البرلمان وعبر الضغط على الحكومة، بعيدا عن النزول إلى الشارع وتبني خيار التظاهر لأن ذلك يُحزّب حركة الاحتجاجات ويجرها إلى الوقوع في الفخ السياسي”.

لكن مراقبين يرون أن الصدر، وهو أحد أهم رعاة الحكومة، منح حركة الاحتجاج العراقية شرعية كاملة، ورد على جميع التهم الحكومية والسياسية ضدها، ما يحوّل أي محاولة عنيفة للتصدي لها، إلى ما يشبه الانتحار السياسي، فضلا عن الثقل الإضافي الذي يمكن أن تجسده مشاركة أنصاره في تظاهرات الخامس والعشرين من الشهر الجاري.

Thumbnail

وقال الصحافي والكاتب العراقي سرمد الطائي، إن موقف الصدر يعني أن “صفحة حكومة عبدالمهدي طويت”، ملمحا إلى أن سقوطها ربما مسألة وقت. أما الناشط في حركات الاحتجاج العراقية منذ 2011، أحمد عبدالحسين، فأشاد بموقف الصدر قائلا، “مد اجتماعي وسياسي جديد ومختلف لدى الشباب، ولا أحد من السياسيين الذين هم في غمرةٍ ساهون، ولا من رجال الدين الخراصين، ولا من المثقفين، أعدّ خطاباً يتلاءم وهذا المدّ، ولا أحد منهم فكّر في أن يغيّر خطابه وفهمه ونافذته التي يرى بها العالم”.

وفي واقع الأمر فإن الصدر لا يختلف عن سواه من أقطاب العملية السياسية في العراق – حسب تعبير فاروق يوسف – فهو موجود بإرادة قائمة على تسوية أميركية- إيرانية. وهو فاسد لأنه يموّل تيّاره من أموال الدولة العراقية. كما أنه طائفي لأنه يقود ميليشيا سبق لها وأن ارتكبت مجازر في حق العراقيين.

من جهته يرد الناشط الصدري ذوالفقار الزهيري، على اتهام مقتدى الصدر بركوب موجة الاحتجاجات بقوله إن الصدريين “هم من خلقوا الموجة وليس من ركبها”، مذكرا بأن الصدريين هم “أول من قاد المظاهرات وأشعل فتيلها.. ومسيرات الجمهور الصدري المليونية الأكبر والأكثر ترتيبا وتأثيرا.. وشهداء التظاهرات الأخيرة أغلبهم من مناطق محسوبة على جماهير التيار الصدري”. لكن الزهيري، عبر عن أمنياته بأن يتحقق شعار الصدر “شلع قلع” هذه المرة، على أن يشمل “سياسيي التيار الصدري والمنتفعين” باسمه.

7